💡 شرح فتح الباري
قَوْلُهُ : ( عَنْ الْأَعْلَمِ هُوَ زِيَادٌ ) فِي رِوَايَةٍ عَنْ عَفَّانَ عَنْ هَمَّامٍ حَدَّثَنَا زِيَادٌ الْأَعْلَمُ أَخْرَجَهُ اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ , وَزِيَادٌ هُوَ اِبْنُ حَسَّانَ بْنُ قُرَّةَ الْبَاهِلِيُّ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ , قِيلَ لَهُ الْأَعْلَمُ لِأَنَّهُ كَانَ مَشْقُوقَ الشَّفَةِ , وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. قَوْلُهُ : ( عَنْ الْحَسَنِ ) ) هُوَ الْبَصْرِيُّ. قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ) هُوَ الثَّقَفِيُّ , وَقَدْ أَعَلَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْحَسَنَ عَنْعَنَهُ , وَقِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ وَإِنَّمَا يُرْوَى عَنْ الْأَحْنَفِ عَنْهُ , وَرُدَّ هَذَا الْإِعْلَالُ بِرِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ الْأَعْلَمِ قَالَ " حَدَّثَنِي الْحَسَنُ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ حَدَّثَهُ " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ اِنْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَذْكُورَةِ " أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ " زَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ " وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَانْطَلَقَ يَسْعَى " وَلِلطَّحَاوِيِّ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْأَعْلَمِ " وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ ". قَوْلُهُ : ( فَذَكَرَ ذَلِكَ ) فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ " فَلَمَّا اِنْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّكُمْ دَخَلَ الصَّفَّ وَهُوَ رَاكِعٌ ". قَوْلُهُ : ( زَادَك اللَّهُ حِرْصًا ) أَيْ عَلَى الْخَيْرِ , قَالَ اِبْنُ الْمُنِيرِ صَوَّبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْلَ أَبِي بَكْرَةَ مِنْ الْجِهَةِ الْعَامَّةِ وَهِيَ الْحِرْصُ عَلَى إِدْرَاكِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ , وَخَطَّأَهُ مِنْ الْجِهَةِ الْخَاصَّةِ. قَوْلُهُ : ( وَلَا تَعُدْ ) أَيْ إِلَى مَا صَنَعْت مِنْ السَّعْيِ الشَّدِيدِ ثُمَّ الرُّكُوعِ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مِنْ الْمَشْيِ إِلَى الصَّفِّ , وَقَدْ وَرَدَ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ صَرِيحًا فِي طُرُقِ حَدِيثِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَعْضُهَا , وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَذْكُورَةِ " فَقَالَ مَنْ السَّاعِي " وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ الطَّبَرَانِيِّ " فَقَالَ أَيُّكُمْ صَاحِبُ هَذَا النَّفَسِ ؟ قَالَ : خَشِيت أَنْ تَفُوتَنِي الرَّكْعَةُ مَعَك " وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ " صَلِّ مَا أَدْرَكْت وَاقْضِ مَا سَبَقَك " وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ " أَيُّكُمْ الرَّاكِعُ دُونَ الصَّفِّ " وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَتِهِ قَرِيبًا " أَيُّكُمْ دَخَلَ الصَّفَّ وَهُوَ رَاكِعٌ " وَتَمَسَّكَ الْمُهَلَّبُ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَالَ : إِنَّمَا قَالَ لَهُ " لَا تَعُدْ " لِأَنَّهُ مَثَّلَ بِنَفْسِهِ فِي مَشْيِهِ رَاكِعًا لِأَنَّهَا كَمِشْيَةِ الْبَهَائِمِ ا ه. وَلَمْ يَنْحَصِرْ النَّهْيُ فِي ذَلِكَ كَمَا حَرَّرْته , وَلَوْ كَانَ مُنْحَصِرًا لَاقْتَضَى ذَلِكَ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ فِي إِحْرَامِ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الِاتِّفَاقِ عَلَى كَرَاهِيَتِهِ , وَذَهَبَ إِلَى تَحْرِيمِهِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَبَعْضُ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّةِ كَابْنِ خُزَيْمَةَ , وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ " أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا. وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ نَحْوُهُ وَزَادَ " لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ " وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ لِلِاسْتِحْبَابِ لِكَوْنِ أَبِي بَكْرَةَ أَتَى بِجُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ الصَّفِّ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِالْإِعَادَةِ , لَكِنْ نُهِيَ عَنْ الْعَوْدِ إِلَى ذَلِكَ , فَكَأَنَّهُ أُرْشِدَ إِلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِيمَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَقَالَ : صَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَلَيْسَ لَهُ تَضْعِيفٌ , وَجَمَعَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِوَجْهٍ آخَرَ , وَهُوَ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ حَدِيثِ وَابِصَةَ , فَمَنْ اِبْتَدَأَ الصَّلَاةَ مُنْفَرِدًا خَلْفَ الصَّفِّ ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ قَبْلَ الْقِيَامِ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ , وَإِلَّا فَتَجِب عَلَى عُمُومِ حَدِيثِ وَابِصَةَ وَعَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ. وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْلِهِ " لَا تَعُدْ " أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ كَانَ جَائِزًا ثُمَّ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ لَا تَعُدْ , فَلَا يَجُوزُ الْعَوْدُ إِلَى مَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْبُخَارِيِّ فِي " جُزْءِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ " وَيُؤْخَذُ مِمَّا حَرَّرْته جَوَابُ مَنْ قَالَ : لِمَ لَا دَعَا لَهُ بِعَدَمِ الْعَوْدِ إِلَى ذَلِكَ كَمَا دَعَا لَهُ بِزِيَادَةِ الْحِرْصِ ؟ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ جُوِّزَ أَنَّهُ رُبَّمَا تَأَخَّرَ فِي أَمْرٍ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ إِدْرَاكِ أَوَّلِ الصَّلَاةِ ا ه. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ التَّأْخِيرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ( تَنْبِيهٌ ) : قَوْلُهُ " وَلَا تَعُدْ " ضَبَطْنَاهُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْعَيْنِ مِنْ الْعَوْدِ , وَحَكَى بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ أَنَّهُ رُوِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ مِنْ الْإِعَادَةِ , وَيُرَجِّحُ الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي آخِرِهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ " صَلِّ مَا أَدْرَكْت وَاقْضِ مَا سَبَقَك " وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الصَّلَاةَ فَلَا يَرْكَعْ دُونَ الصَّفِّ حَتَّى يَأْخُذَ مَكَانَهُ مِنْ الصَّفِّ " وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى اِسْتِحْبَابِ مُوَافَقَةِ الدَّاخِلِ لِلْإِمَامِ عَلَى أَيِّ حَالٍ وَجَدَهُ عَلَيْهَا , وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ صَرِيحًا فِي سُنَنِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَنْ وَجَدَنِي قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَلْيَكُنْ مَعِي عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنَا عَلَيْهَا " وَفِي التِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مَرْفُوعًا وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ , لَكِنَّهُ يَنْجَبِرُ بِطَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ الْمَذْكُورَةِ.