💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَة ) الْمُرَاد بِالسَّجْدَةِ هُنَا الرَّكْعَة بِتَمَامِهَا , وَبِالرَّكْعَتَيْنِ الرُّكُوعَانِ , وَهُوَ مُوَافِق لِرِوَايَتَيْ عَائِشَة وَابْن عَبَّاس الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ فِي أَنَّ فِي كُلّ رَكْعَة رُكُوعَيْنِ وَسُجُودَيْنِ , وَلَوْ تُرِكَ عَلَى ظَاهِره لَاسْتَلْزَمَ تَثْنِيَة الرُّكُوع وَإِفْرَاد السُّجُود وَلَمْ يَصِرْ إِلَيْهِ أَحَد. فَتَعَيَّنَ تَأْوِيله. قَوْله : ( ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ جُلِّيَ عَنْ الشَّمْس ) أَيْ بَيْن جُلُوسه فِي التَّشَهُّد وَالسَّلَام , فَتَبَيَّنَ قَوْله فِي حَدِيث عَائِشَة " ثُمَّ اِنْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْس ". قَوْله : ( قَالَ وَقَالَتْ عَائِشَة ) الْقَائِل هُوَ اِبْن سَلَمَة فِي نَقْدِي , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فَيَكُون مِنْ رِوَايَة صَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيَّة , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّق فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَابْن خُزَيْمَةَ وَغَيْرهمَا مِنْ رِوَايَة أَبِي سَلَمَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَفِيهِ قَوْل عَائِشَة هَذَا. قَوْله : ( مَا سَجَدْت سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَل مِنْهَا ) كَذَا فِيهِ , وَفِي رِوَايَة غَيْره " مِنْهُ " أَيْ مِنْ السُّجُود الْمَذْكُور , زَادَ مُسْلِم فِيهِ " وَلَا رَكَعْت رُكُوعًا قَطُّ كَانَ أَطْوَل مِنْهُ " , وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَة عُرْوَة عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ " ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُود " وَفِي أَوَائِل صِفَة الصَّلَاة مِنْ حَدِيث أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر مِثْله , وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بِلَفْظِ " ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه فَسَجَدَ وَأَطَالَ السُّجُود " وَنَحْوه عِنْده عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَلِلشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيث أَبِي مُوسَى " بِأَطْوَل قِيَام وَرُكُوع وَسُجُود رَأَيْته قَطُّ " وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث سَمُرَة " كَأَطْوَل مَا سَجَدَ بِنَا فِي صَلَاة قَطُّ " وَكُلّ هَذِهِ الْأَحَادِيث ظَاهِرَة فِي أَنَّ السُّجُود فِي الْكُسُوف يَطُول كَمَا يَطُول الْقِيَام وَالرُّكُوع , وَأَبْدَى بَعْض الْمَالِكِيَّة فِيهِ بَحْثًا فَقَالَ : لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه أَطَالَ أَنْ يَكُون بَلَغَ بِهِ حَدّ الْإِطَالَة فِي الرُّكُوع , وَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَمَّا رَوَاهُ مُسْلِم فِي حَدِيث جَابِر بِلَفْظِ " وَسُجُوده نَحْو مِنْ رُكُوعه " وَهَذَا مَذْهَب أَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ وَبِهِ جَزَمَ أَهْل الْعِلْم بِالْحَدِيثِ مِنْ أَصْحَابه وَاخْتَارَهُ اِبْن سُرَيْج ثُمَّ النَّوَوِيّ , وَتَعَقَّبَهُ صَاحِب " الْمُهَذَّب " بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل فِي خَبَر وَلَمْ يَقُلْ بِهِ الشَّافِعِيّ ا ه. وَرَدَّ عَلَيْهِ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا فَإِنَّ الشَّافِعِيّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيّ وَلَفْظه " ثُمَّ يَسْجُد سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ يُقِيم فِي كُلّ سَجْدَة نَحْوًا مِمَّا قَامَ فِي رُكُوعه ". ( تَنْبِيه ) : وَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ عِنْد مُسْلِم تَطْوِيل الِاعْتِدَال الَّذِي يَلِيه السُّجُود وَلَفْظه " ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ , ثُمَّ سَجَدَ " وَقَالَ النَّوَوِيّ : هِيَ رِوَايَة شَاذَّة مُخَالِفَة فَلَا يُعْمَل بِهَا أَوْ الْمُرَاد زِيَادَة الطُّمَأْنِينَة فِي الِاعْتِدَال لَا إِطَالَته نَحْو الرُّكُوع , وَتُعُقِّبَ بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْن خُزَيْمَةَ وَغَيْرهمَا , مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَيْضًا فَفِيهِ " ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ حَتَّى قِيلَ لَا يَرْفَع , ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ حَتَّى قِيلَ لَا يَسْجُد , ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ حَتَّى قِيلَ لَا يَرْفَع , ثُمَّ رَفَعَ فَجَلَسَ فَأَطَالَ الْجُلُوس حَتَّى قِيلَ لَا يَسْجُد , ثُمَّ سَجَدَ " لَفْظ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ , وَالثَّوْرِيُّ سَمِعَ مِنْ عَطَاء قَبْل الِاخْتِلَاط فَالْحَدِيث صَحِيح , وَلَمْ أَقِف فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق عَلَى تَطْوِيل الْجُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ إِلَّا فِي هَذَا , وَقَدْ نَقَلَ الْغَزَالِيّ الِاتِّفَاق عَلَى تَرْك إِطَالَته , فَإِنْ أَرَادَ الِاتِّفَاق الْمَذْهَبِيّ فَلَا كَلَام , وَإِلَّا فَهُوَ مَحْجُوج بِهَذِهِ الرِّوَايَة.