💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يُونُس ) هُوَ أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن يُونُس الْيَرْبُوعِيّ الْكُوفِيّ , نُسِبَ إِلَى جَدّه. قَوْله : ( سُئِلَ ) أَبْهَمَ السَّائِل , وَهُوَ أَبُو ذَرّ الْغِفَارِيّ , وَحَدِيثه فِي الْعِتْق. قَوْله : ( قِيلَ ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : الْجِهَاد ) وَفِي مُسْنَد الْحَارِث أَبِي أُسَامَة عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد " ثُمَّ جِهَاد " فَوَاخَى بَيْن الثَّلَاثَة فِي التَّنْكِير , بِخِلَافِ مَا عِنْد الْمُصَنِّف. وَقَالَ الْكَرْمَانِيّ : الْإِيمَان لَا يَتَكَرَّر كَالْحَجِّ , وَالْجِهَاد قَدْ يَتَكَرَّر , فَالتَّنْوِين لِلْإِفْرَادِ الشَّخْصِيّ , وَالتَّعْرِيف لِلْكَمَالِ. إِذْ الْجِهَاد لَوْ أَتَى بِهِ مَرَّة مَعَ الِاحْتِيَاج إِلَى التَّكْرَار لَمَا كَانَ أَفْضَل. وَتُعُقِّبَ عَلَيْهِ بِأَنَّ التَّنْكِير مِنْ جُمْلَة وُجُوهه التَّعْظِيم , وَهُوَ يُعْطِي الْكَمَال. وَبِأَنَّ التَّعْرِيف مِنْ جُمْلَة وُجُوهه الْعَهْد , وَهُوَ يُعْطِي الْإِفْرَاد الشَّخْصِيّ , فَلَا يُسَلَّم الْفَرْق. قُلْت : وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ رِوَايَة الْحَارِث الَّتِي ذَكَرْتهَا أَنَّ التَّنْكِير وَالتَّعْرِيف فِيهِ مِنْ تَصَرُّف الرُّوَاة ; لِأَنَّ مَخْرَجه وَاحِد , فَالْإِطَالَة فِي طَلَب الْفَرْق فِي مِثْل هَذَا غَيْر طَائِلَة , وَاَللَّه الْمُوَفِّق. قَوْله : ( حَجّ مَبْرُور ) أَيْ مَقْبُول وَمِنْهُ بَرَّ حَجّك , وَقِيلَ الْمَبْرُور الَّذِي لَا يُخَالِطهُ إِثْم , وَقِيلَ الَّذِي لَا رِيَاء فِيهِ. ( فَائِدَة ) قَالَ النَّوَوِيّ : ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيث الْجِهَاد بَعْد الْإِيمَان , وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ لَمْ يَذْكُر الْحَجّ وَذَكَرَ الْعِتْق , وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود بَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ الْبِرّ ثُمَّ الْجِهَاد , وَفِي الْحَدِيث الْمُتَقَدِّم ذَكَرَ السَّلَامَة مِنْ الْيَد وَاللِّسَان. قَالَ الْعُلَمَاء : اِخْتِلَاف الْأَجْوِبَة فِي ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال , وَاحْتِيَاج الْمُخَاطَبِينَ , وَذَكَرَ مَا لَمْ يَعْلَمهُ السَّائِل وَالسَّامِعُونَ وَتَرَكَ مَا عَلِمُوهُ , وَيُمْكِن أَنْ يُقَال : إِنَّ لَفْظَة " مِنْ " مُرَادَة كَمَا يُقَال فُلَان أَعْقَل النَّاس وَالْمُرَاد مِنْ أَعْقَلهمْ , وَمِنْهُ حَدِيث " خَيْركُمْ خَيْركُمْ لِأَهْلِهِ " وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّهُ لَا يَصِير بِذَلِكَ خَيْر النَّاس , فَإِنْ قِيلَ لِمَ قَدَّمَ الْجِهَاد وَلَيْسَ بِرُكْنٍ عَلَى الْحَجّ وَهُوَ رُكْن ؟ فَالْجَوَاب : أَنَّ نَفْع الْحَجّ قَاصِر غَالِبًا , وَنَفْع الْجِهَاد مُتَعَدٍّ غَالِبًا , أَوْ كَانَ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ الْجِهَاد فَرْض عَيْن - وَوُقُوعه فَرْض عَيْن إِذْ ذَاكَ مُتَكَرِّر - فَكَانَ أَهَمَّ مِنْهُ فَقُدِّمَ , وَاَللَّه أَعْلَم.