💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( عَنْ مُحَمَّدِ بْن سُوقَةَ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا قَافٌ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ عَابِدٌ يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث وَآخَر تَقَدَّمَ فِي الْعِيدَيْنِ. قَوْله : ( عَنْ نَافِع بْن جُبَيْر ) أَيْ اِبْن مُطْعِمٍ النَّوْفَلِيّ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ عَنْ عَائِشَة سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن بَكَّار عَنْ إِسْمَاعِيل بْن زَكَرِيَّا عَنْ مُحَمَّد بْن سُوقَهُ " سَمِعْت نَافِعَ بْن جُبَيْر " أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ. قَوْله : ( حَدَّثَتْنِي عَائِشَة ) هَكَذَا قَالَ إِسْمَاعِيل بْن زَكَرِيَّا عَنْ مُحَمَّد بْن سُوقَة , وَخَالَفَهُ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ فَقَالَ " عَنْ مُحَمَّد بْن سُوقَة عَنْ نَافِع بْن جُبَيْر عَنْ أُمّ سَلَمَة " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون نَافِع اِبْن جُبَيْر سَمِعَهُ مِنْهُمَا فَإِنَّ رِوَايَتَهُ عَنْ عَائِشَة أَتَمُّ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ أُمّ سَلَمَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ عَائِشَة , وَرُوِيَ مِنْ حَدِيث حَفْصَة شَيْئًا مِنْهُ , وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ صَفِيَّةَ نَحْوَهُ. قَوْله : ( يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ ) فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ " عَبَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنَامه فَقُلْنَا لَهُ صَنَعْت شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ , قَالَ : الْعَجَب أَنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ هَذَا الْبَيْتَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ " وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ أُمّ سَلَمَة قَالَتْ ذَلِكَ زَمَنُ اِبْن الزُّبَيْرِ , وَفِي أُخْرَى أَنَّ عَبْد اللَّه بْن صَفْوَان أَحَد رُوَاة الْحَدِيث عَنْ أُمّ سَلَمَة قَالَ : وَاَللَّهِ مَا هُوَ هَذَا الْجَيْشُ. قَوْله : ( بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ ) فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ " بِالْبَيْدَاءِ " وَفِي حَدِيث صَفِيَّة عَلَى الشَّكِّ , وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَر الْبَاقِرِ قَالَ : هِيَ بَيْدَاءُ الْمَدِينَةِ. اِنْتَهَى. وَالْبَيْدَاءُ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ. قَوْله : ( يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرهمْ ) زَادَ التِّرْمِذِيُّ فِي حَدِيث صَفِيَّة " وَلَمْ يَنْجُ أَوْسَطُهُمْ " وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيث حَفْصَة " فَلَا يَبْقَى إِلَّا الشَّرِيد الَّذِي يُخْبِرُ عَنْهُمْ " وَاسْتُغْنِيَ بِهَذَا عَنْ تَكَلُّفِ الْجَوَابِ عَنْ حُكْمِ الْأَوْسَطِ وَأَنَّ الْعُرْفَ يَقْضِي بِدُخُولِهِ فِيمَنْ هَلَكَ أَوْ لِكَوْنِهِ آخِرًا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوَّلِ وَأَوَّلًا بِالنِّسْبَةِ لِلْآخِرِ فَيَدْخُلُ. قَوْله : ( وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ ) كَذَا عِنْد الْبُخَارِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقَاف جَمْعُ سُوقٍ وَعَلَيْهِ تَرْجَمَ , وَالْمَعْنَى أَهْل أَسْوَاقهمْ أَوْ السُّوقَةُ مِنْهُمْ. وَقَوْله " وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ " أَيْ مَنْ رَافَقَهُمْ وَلَمْ يَقْصِدْ مُوَافَقَتَهُمْ. وَلِأَبِي نُعَيْم مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن سُلَيْمَان عَنْ إِسْمَاعِيل بْن زَكَرِيَّا " وَفِيهِمْ أَشْرَافُهُمْ " بِالْمُعْجَمَةِ وَالرَّاء وَالْفَاء , وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد اِبْن بَكَّار عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ " وَفِيهِمْ سِوَاهُمْ " وَقَالَ وَقَعَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ " أَسْوَاقُهُمْ " فَأَظَنَّهُ تَصْحِيفًا فَإِنَّ الْكَلَام فِي الْخَسْف بِالنَّاسِ لَا بِالْأَسْوَاقِ. قُلْت : بَلْ لَفْظ " سِوَاهُمْ " تَصْحِيفٌ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى قَوْله وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَيَلْزَمُ مِنْهُ التَّكْرَارُ , بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ. نَعَمْ أَقْرَب الرِّوَايَات إِلَى الصَّوَاب رِوَايَة أَبِي نُعَيْم , وَلَيْسَ فِي لَفْظ " أَسْوَاقهمْ " مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُون الْخَسْفُ بِالنَّاسِ فَالْمُرَاد بِالْأَسْوَاقِ أَهْلُهَا أَيْ يُخْسَفُ بِالْمُقَاتِلَةِ مِنْهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْقِتَالِ كَالْبَاعَةِ , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم " فَقُلْنَا إِنَّ الطَّرِيقَ يَجْمَعُ النَّاسَ , قَالَ نَعَمْ فِيهِمْ الْمُسْتَبْصِر - أَيْ الْمُسْتَبِينُ لِذَلِكَ الْقَاصِدُ لِلْمُقَاتَلَةِ - وَالْمَجْبُورُ بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَة - أَيْ الْمُكْرَه - وَابْن السَّبِيل - أَيْ - مَالِك الطَّرِيق مَعَهُمْ وَلَيْسَ مِنْهُمْ " وَالْغَرَضُ كُلُّهُ أَنَّهَا اِسْتَشْكَلَتْ وُقُوعَ الْعَذَابِ عَلَى مَنْ لَا إِرَادَةَ لَهُ فِي الْقِتَال الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْعُقُوبَةِ فَوَقَعَ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْعَذَابَ يَقَع عَامًا لِحُضُورِ آجَالِهِمْ وَيُبْعَثُونَ بَعْد ذَلِكَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم " يَهْلِكُونَ مَهْلِكًا وَاحِدًا وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى " وَفِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة عِنْد مُسْلِم " فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه فَكَيْف بِمَنْ كَانَ كَارِهًا ؟ قَالَ : يُخْسَفُ بِهِ , وَلَكِنْ يُبْعَثُ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى نِيَّتِهِ " أَيْ يُخْسَفُ بِالْجَمِيعِ لِشُؤْمِ الْأَشْرَارِ ثُمَّ يُعَامَلُ كُلُّ أَحَد عِنْد الْحِسَاب بِحَسَبِ قَصْدِهِ , قَالَ الْمُهَلَّب : فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فِي الْمَعْصِيَةِ مُخْتَارًا أَنَّ الْعُقُوبَةَ تَلْزَمُهُ مَعَهُمْ. قَالَ وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ مَالِكٌ عُقُوبَةَ مَنْ يُجَالِسُ شَرَبَةَ الْخَمْرِ وَإِنْ لَمْ يَشْرَبْ , وَتَعَقَّبَهُ اِبْن الْمُنَيِّر بِأَنَّ الْعُقُوبَةَ الَّتِي فِي الْحَدِيث هِيَ الْهَجْمَةُ السَّمَاوِيَّةُ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا الْعُقُوبَاتُ الشَّرْعِيَّةُ , وَيُؤَيِّدُهُ آخِرُ الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ " وَيُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ " وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَعْمَال تُعْتَبَرُ بِنِيَّةِ الْعَامِلِ , وَالتَّحْذِيرُ مِنْ مُصَاحَبَةِ أَهْلِ الظُّلْمِ وَمُجَالَسَتِهِمْ وَتَكْثِير سَوَادهمْ إِلَّا لِمَنْ اُضْطُرَّ إِلَى ذَلِكَ , وَيَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِي مُصَاحَبَةِ التَّاجِر لِأَهْلِ الْفِتْنَةِ هَلْ هِيَ إِعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ أَوْ هِيَ مِنْ ضَرُورَةِ الْبَشَرِيَّةِ , ثُمَّ يُعْتَبَرُ عَمَلُ كُلِّ أَحَد بِنِيَّتِهِ. وَعَلَى الثَّانِي يَدُلُّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ اِبْن التِّين : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا الْجَيْشُ الَّذِي يُخْسَف بِهِمْ هُمْ الَّذِينَ يَهْدِمُونَ الْكَعْبَة فَيَنْتَقِمُ مِنْهُمْ فَيَخْسِفُ بِهِمْ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي بَعْض طُرُقِهِ عِنْد مُسْلِم " إِنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي " وَاَلَّذِينَ يَهْدِمُونَهَا مِنْ كُفَّارِ الْحَبَشَةِ. وَأَيْضًا فَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُمْ يُخْسَف بِهِمْ بَعْدَ أَنْ يَهْدِمُوهَا وَيَرْجِعُوا , وَظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّهُ يُخْسَفُ بِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَيْهَا.