💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الصَّلْت أَبُو جَعْفَر ) هُوَ الْأُسَيْدِيّ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث , وَلَهُ شَيْخ آخَر يُقَال لَهُ مُحَمَّد بْن الصَّلْت يُكَنَّى أَبَا يَعْلَى وَهُوَ بَصْرِيّ ; وَأَبُو جَعْفَر أَكْبَر مِنْ أَبِي يَعْلَى وَأَقْدَم سَمَاعًا. قَوْله : ( شَرِبْت يَعْنِي اللَّبَن ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا , وَسَيَأْتِي فِي التَّعْبِير عَنْ عَبْدَان عَنْ اِبْن الْمُبَارَك بِلَفْظِ " بَيْنَا أَنَا نَائِم أُتِيت بِقَدَحٍ لَبَن فَشَرِبْت مِنْهُ " أَيْ مِنْ ذَلِكَ اللَّبَن. قَوْله : ( حَتَّى أَنْظُر إِلَى الرِّيّ ) فِي رِوَايَة عَبْدَانِ " حَتَّى أَنِّي " وَيَجُوز فَتْح هَمْزَة أَنِّي وَكَسْرهَا وَرُؤْيَة الرِّيّ عَلَى سَبِيل الِاسْتِعَارَة كَأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الرِّيّ جِسْمًا أَضَافَ إِلَيْهِ مَا هُوَ مِنْ خَوَاصّ الْجِسْم , وَهُوَ كَوْنه مَرْئِيًّا , وَأَمَّا قَوْله " أَنْظُر " فَإِنَّمَا أَتَى بِهِ بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَة وَالْأَصْل أَنَّهُ مَاضٍ اِسْتِحْضَارًا لِصُورَةِ الْحَال , وَقَوْله " أَنْظُر " يُؤَيِّد أَنَّ قَوْله " أَرَى " فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِي الْعِلْم مِنْ رُؤْيَة الْبَصَر لَا مِنْ الْعِلْم , وَالرِّيّ بِكَسْرِ الرَّاء وَيَجُوز فَتْحهَا. قَوْله : ( يَجْرِي ) أَيْ اللَّبَن أَوْ الرِّيّ وَهُوَ حَال. قَوْله : ( فِي ظُفْرِي أَوْ أَظْفَارِي ) شَكّ مِنْ الرَّاوِي , وَفِي رِوَايَة عَبْدَان " مِنْ أَظْفَارِي " وَلَمْ يَشُكّ , وَكَذَا فِي رِوَايَة عَقِيل فِي الْعِلْم لَكِنْ قَالَ " فِي أَظْفَارِي ". قَوْله : ( ثُمَّ نَاوَلْت عُمَر ) فِي رِوَايَة عَبْدَان " ثُمَّ نَاوَلْت فَضْلِي " يَعْنِي عُمَر , وَفِي رِوَايَة عَقِيل فِي الْعِلْم " ثُمَّ أَعْطَيْت فَضْلِي عُمَر بْن الْخَطَّاب ". قَوْله : ( قَالُوا فَمَا أَوَّلْته ) أَيْ عَبَّرْته ( قَالَ الْعِلْم ) بِالنَّصْبِ أَيْ أَوَّلْته الْعِلْم , وَبِالرَّفْعِ أَيْ الْمُؤَوَّل بِهِ هُوَ الْعِلْم , وَوَقَعَ فِي " جُزْء الْحُسَيْن بْن عَرَفَة " مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُمَر " قَالَ فَقَالُوا : هَذَا الْعِلْم الَّذِي آتَاكَهُ اللَّه , حَتَّى اِمْتَلَأْت فَضَلَتْ مِنْهُ فَضْلَة فَأَخَذَهَا عُمَر , قَالَ : أَصَبْتُمْ " وَإِسْنَاده ضَعِيف فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون بَعْضهمْ أَوَّلَ وَبَعْضهمْ سَأَلَ , وَوَجْه التَّعْبِير بِذَلِكَ مِنْ جِهَة اِشْتَرَاك اللَّبَن وَالْعِلْم فِي كَثْرَة النَّفْع , وَكَوْنهمَا سَبَبًا لِلصَّلَاحِ , فَاللَّبَن لِلْغِذَاءِ الْبَدَنِيّ وَالْعِلْم لِلْغِذَاءِ الْمَعْنَوِيّ. وَفِي الْحَدِيث فَضِيلَة عُمَر وَأَنَّ الرُّؤْيَا مِنْ شَأْنهَا أَنْ لَا تُحْمَل عَلَى ظَاهِرهَا وَإِنْ كَانَتْ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاء مِنْ الْوَحْي , لَكِنْ مِنْهَا مَا يَحْتَاج إِلَى تَعْبِير وَمِنْهَا مَا يُحْمَل عَلَى ظَاهِره , وَسَيَأْتِي تَقْرِير ذَلِكَ فِي كِتَاب التَّعْبِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَالْمُرَاد بِالْعِلْمِ هُنَا الْعِلْم بِسِيَاسَةِ النَّاس بِكِتَابِ اللَّه وَسُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاخْتَصَّ عُمَر بِذَلِكَ لِطُولِ مُدَّته بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَبِي بَكْر , وَبِاتِّفَاقِ النَّاس عَلَى طَاعَته بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُثْمَان , فَإِنَّ مُدَّة أَبِي بَكْر كَانَتْ قَصِيرَة فَلَمْ يَكْثُر فِيهَا الْفُتُوح الَّتِي هِيَ أَعْظَم الْأَسْبَاب فِي الِاخْتِلَاف , وَمَعَ ذَلِكَ فَسَاسَ عُمَر فِيهَا - مَعَ طُول مُدَّته - النَّاس بِحَيْثُ لَمْ يُخَالِفهُ أَحَد , ثُمَّ اِزْدَادَتْ اِتِّسَاعًا فِي خِلَافَة عُثْمَان فَانْتَشَرَتْ الْأَقْوَال وَاخْتَلَفَتْ الْآرَاء وَلَمْ يَتَّفِق لَهُ مَا اِتَّفَقَ لِعُمَر مِنْ طَوَاعِيَة الْخَلْق لَهُ فَنَشَأَتْ مِنْ ثَمَّ الْفِتَن , إِلَى أَنْ أَفْضَى الْأَمْر إِلَى قَتْله , وَاسْتُخْلِفَ عَلِيّ فَمَا اِزْدَادَ الْأَمْر إِلَّا اِخْتِلَافًا وَالْفِتَن إِلَّا اِنْتِشَارًا.