💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَسْبَاط بْن مُحَمَّد ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْمُهْمَلَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة , كُوفِيّ ثِقَة , لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا الْحَدِيث. وَأَوْرَدَهُ فِي كِتَاب الْإِكْرَاه عَنْ حُسَيْن بْن مَنْصُور عَنْهُ أَيْضًا. وَقَدْ قَالَ الدُّورِيّ عَنْ اِبْن مَعِين : كَانَ يُخْطِئ عَنْ سُفْيَان , فَذَكَرَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ اِبْن الْجَوْزِيّ فِي الضُّعَفَاء , لَكِنْ قَالَ : كَانَ ثَبْتًا فِيمَا يَرْوِي عَنْ الشَّيْبَانِيِّ وَمُطَرِّف. وَذَكَرَهُ الْعُقَيْلِيُّ وَقَالَ : رُبَّمَا وَهِمَ فِي الشَّيْء , وَقَدْ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيّ بِالسِّنِّ لِأَنَّهُ مَاتَ فِي أَوَّل سَنَة مِائَتَيْنِ. قَوْله : ( قَالَ الشَّيْبَانِيُّ ) سَمَّاهُ فِي كِتَاب الْإِكْرَاه سُلَيْمَان بْن فَيْرُوز. قَوْله : ( وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَن السُّوَائِيُّ , وَلَا أَظُنّهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنْ اِبْن عَبَّاس ) حَاصِله أَنَّ لِلشَّيْبَانِيِّ فِيهِ طَرِيقَيْنِ إِحْدَاهُمَا مَوْصُولَة وَهِيَ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَالْأُخْرَى مَشْكُوك فِي وَصْلهَا وَهِيَ أَبُو الْحَسَن السُّوَائِيُّ عَنْ اِبْن عَبَّاس. وَالشَّيْبَانِيُّ هُوَ أَبُو إِسْحَاق , وَالسُّوَائِيُّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْوَاو ثُمَّ أَلِف ثُمَّ هَمْزَة وَاسْمه عَطَاء , وَلَمْ أَقِف لَهُ عَلَى ذِكْر إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيث. قَوْله : ( كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُل ) فِي رِوَايَة السُّدِّيِّ تَقْيِيد ذَلِكَ بِالْجَاهِلِيَّةِ , وَفِي رِوَايَة الضَّحَّاك تَخْصِيص ذَلِكَ بِأَهْلِ الْمَدِينَة , وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْعَوْفِيِّ عَنْ اِبْن عَبَّاس , لَكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه فِي الْجَاهِلِيَّة أَنْ لَا يَكُون اِسْتَمَرَّ فِي أَوَّل الْإِسْلَام إِلَى أَنْ نَزَلَتْ الْآيَة , فَقَدْ جَزَمَ الْوَاحِدِيّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِي أَوَّل الْإِسْلَام , وَسَاقَ الْقِصَّة مُطَوَّلَة , وَكَأَنَّهُ نَقَلَهُ مِنْ تَفْسِير الشَّعْبِيّ , وَنَقَلَ عَنْ تَفْسِير مُقَاتِل نَحْوه إِلَّا أَنَّهُ خَالَفَ فِي اِسْم اِبْن أَبِي قَيْس فَالْأَوَّل قَالَ قَيْس وَمُقَاتِل قَالَ حُصَيْنٌ , رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَة أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّة خَاصَّة قَالَ : نَزَلَتْ فِي كَبْشَة بِنْت مَعْن بْن عَاصِم مِنْ الْأَوْس وَكَانَتْ تَحْت أَبِي قَيْس بْن الْأَسْلَت فَتُوُفِّيَ عَنْهَا , فَجَنَحَ عَلَيْهَا اِبْنه , فَجَاءَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا نَبِيّ اللَّه لَا أَنَا وَرِثْت زَوْجِي وَلَا تُرِكْت فَأُنْكَح , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة. وَبِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْن سَهْل بْن حُنَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ " لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو قَيْس بْن الْأَسْلَت أَرَادَ اِبْنه أَنْ يَتَزَوَّج اِمْرَأَته , وَكَانَ ذَلِكَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة ". قَوْله : ( كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقّ بِامْرَأَتِهِ ) فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَة وَحْده عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذَا الْحَدِيث تَخْصِيص ذَلِكَ بِمِنْ مَاتَ زَوْجهَا قَبْل أَنْ يَدْخُل بِهَا. قَوْله : ( إِنْ شَاءَ بَعْضهمْ تَزَوَّجَهَا وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا وَهُمْ أَحَقّ بِهَا مِنْ أَهْلهَا ) فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة الْمَذْكُورَة " حَبَسَهَا عَصَبَتُهُ أَنْ تَنْكِح أَحَدًا حَتَّى تَمُوت فَيَرِثُوهَا " قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : هَذَا مُخَالِف لِرِوَايَةِ أَسْبَاط. قُلْت وَيُمْكِن رَدّهَا إِلَيْهَا بِأَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنْ تَنْكِح إِلَّا مِنْهُمْ أَوْ بِإِذْنِهِمْ , نَعَمْ هِيَ مُخَالِفَة لَهَا فِي التَّخْصِيص السَّابِق , وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " كَانَ الرَّجُل إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ اِمْرَأَة أَلْقَى عَلَيْهَا حَمِيمه ثَوْبًا فَمَنَعَهَا مِنْ النَّاس , فَإِنْ كَانَتْ جَمِيلَة تَزَوَّجَهَا وَإِنْ كَانَتْ دَمِيمَة حَبَسَهَا حَتَّى تَمُوت وَيَرِثهَا " وَرَوَى الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق الْحَسَن وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرهمَا " كَانَ الرَّجُل يَرِث اِمْرَأَة ذِي قَرَابَته فَيَعْضُلهَا حَتَّى تَمُوت أَوْ تَرُدّ إِلَيْهِ الصَّدَاق " وَزَادَ السُّدِّيُّ " إِنْ سَبَقَ الْوَارِث فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبه كَانَ أَحَقّ بِهَا , وَإِنْ سَبَقَتْ هِيَ إِلَى أَهْلهَا فَهِيَ أَحَقّ بِنَفْسِهَا ".