💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَة ) أَيْ الْقَعْنَبِيّ , كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ وَأَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن. وَوَقَعَ عِنْدَ غَيْرِهِمَا " عَبْد اللَّه " غَيْر مَنْسُوب فَتَرَدَّدَ فِيهِ أَبُو مَسْعُود بَيْنَ أَنْ يَكُون عَبْد اللَّه بْن رَجَاء وَعَبْد اللَّه بْن صَالِح كَاتِب اللَّيْث وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : عِنْدِي أَنَّهُ عَبْد اللَّه بْن صَالِح. وَرَجَّحَ هَذَا الْمِزِّيّ وَحَدَّهُ بِأَنَّ الْبُخَارِيّ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ فِي كِتَاب " الْأَدَب الْمُفْرَد " عَنْ عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَنْ عَبْد الْعَزِيز. قُلْت : لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْجَزْم بِهِ , وَمَا الْمَانِع أَنْ يَكُون لَهُ فِي الْحَدِيث الْوَاحِد شَيْخَانِ عَنْ شَيْخ وَاحِد ؟ وَلَيْسَ الَّذِي وَقَعَ فِي الْأَدَب بِأَرْجَحَ مِمَّا وَقَعَ الْجَزْم بِهِ فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ وَأَبِي ذَرّ وَهُمَا حَافِظَانِ , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي " بَاب التَّكْبِير إِذَا عَلَا شَرَفًا " مِنْ كِتَاب الْحَجّ حَدِيثًا قَالَ فِيهِ " حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه - غَيْر مَنْسُوب - حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي سَلَمَة. كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْر مَنْسُوب , وَتَرَدَّدَ فِيهِ أَبُو مَسْعُود بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَرَدَّدَ فِيهِمَا فِي حَدِيث الْبَاب , لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَلِيّ بْن السَّكَن " حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يُوسُف " فَتَعَيَّنَ الْمَصِير إِلَيْهِ , لِأَنَّهَا زِيَادَة مِنْ حَافِظ فِي الرِّوَايَة فَتُقَدَّمُ عَلَى مَنْ فَسَّرَهُ بِالظَّنِّ. قَوْله : ( عَنْ هِلَال بْن أَبِي هِلَال ) تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوع. قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ ) تَقَدَّمَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى عَطَاء بْن يَسَار فِي الْبُيُوع أَيْضًا , وَتَقَدَّمَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَة سَبَب تَحْدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بِهِ , وَأَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ صِفَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاة فَقَالَ " أَجَلْ إِنَّهُ لَمَوْصُوف بِبَعْضُ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآن ". وَلِلدَّارِمِيِّ مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح ذَكْوَان عَنْ كَعْب قَالَ " فِي السَّطْر الْأَوَّل مُحَمَّد رَسُول اللَّه عَبْدِي الْمُخْتَار ". قَوْله : ( إِنَّ هَذِهِ الْآيَة الَّتِي فِي الْقُرْآن ( يَا أَيُّهَا النَّبِيّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) قَالَ فِي التَّوْرَاة : يَا أَيُّهَا النَّبِيّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا ) أَيْ شَاهِدًا عَلَى الْأُمَّة وَمُبَشِّرًا لِلْمُطِيعِينَ بِالْجَنَّةِ وَلِلْعُصَاةِ بِالنَّارِ , أَوْ شَاهِدًا لِلرُّسُلِ قَبْلَهُ بِالْإِبْلَاغِ. قَوْله : ( وَحِرْزًا ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدَهَا زَاي أَيْ حِصْنًا , وَالْأُمِّيِّينَ هُمْ الْعَرَب , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح ذَلِكَ فِي الْبُيُوع. قَوْله : ( سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّل ) أَيْ عَلَى اللَّه لِقَنَاعَتِهِ بِالْيَسِيرِ , وَالصَّبْر عَلَى مَا كَانَ يَكْرَه. قَوْله : ( لَيْسَ ) كَذَا وَقَعَ بِصِيغَةِ الْغَيْبَة عَلَى طَرِيق الِالْتِفَات , وَلَوْ جَرَى عَلَى النَّسَق الْأَوَّل لَقَالَ لَسْت. قَوْله : ( بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظ ) هُوَ مُوَافِق لِقَوْلِه تَعَالَى ( فَبِمَا رَحْمَة مِنْ اللَّه لِنْت لَهُمْ , وَلَوْ كُنْت فَظًّا غَلِيظ الْقَلْب لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلك ) وَلَا يُعَارِض قَوْله تَعَالَى ( وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) لِأَنَّ النَّفْي مَحْمُول عَلَى طَبْعه الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ وَالْأَمْر مَحْمُول عَلَى الْمُعَالَجَة , أَوْ النَّفْي بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْأَمْر بِالنِّسْبَةِ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ كَمَا هُوَ مُصَرَّح بِهِ فِي نَفْس الْآيَة. قَوْله : ( وَلَا سَخَّاب ) كَذَا فِيهِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة وَهِيَ لُغَة أَثْبَتَهَا الْفَرَّاء وَغَيْره , وَبِالصَّادِ أَشْهَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ أَيْضًا. قَوْله : ( وَلَا يَدْفَع السَّيِّئَة بِالسَّيِّئَةِ ) هُوَ مِثْل قَوْله تَعَالَى ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن ) زَادَ فِي رِوَايَة كَعْب " مَوْلِده بِمَكَّةَ وَمُهَاجَره طَيْبَة وَمُلْكه بِالشَّامِ ". قوله : ( وَلَنْ يَقْبِضه ) أَيْ يُمِيته. قَوْله : ( حَتَّى يُقِيم بِهِ ) أَيْ حَتَّى يَنْفِيَ الشِّرْك وَيُثْبِت التَّوْحِيد وَالْمِلَّة الْعَوْجَاء مِلَّة الْكُفْر. قَوْله : ( فَيَفْتَح بِهَا ) أَيْ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيد ( أَعْيُنًا عُمْيًا ) أَيْ عَنْ الْحَقّ وَلَيْسَ هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ " أَعْيُن عُمْي " بِالْإِضَافَةِ , وَكَذَا الْكَلَام فِي الْآذَان وَالْقُلُوب. وَفِي مُرْسَل جُبَيْر بْن نُفَيْر بِإِسْنَادٍ صَحِيح عِنْدَ الدَّارِمِيّ " لَيْسَ بِوَهْنٍ وَلَا كَسَل , لِيَخْتِنَ قُلُوبًا غُلْفًا , وَيَفْتَح أَعْيُنًا عُمْيًا , وَيُسْمِع آذَانًا صُمًّا , وَيُقِيم أَلْسِنَة عَوْجَاء حَتَّى يُقَال لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْدَهُ " ( تَنْبِيه ) : قِيلَ أَتَى بِجَمْعِ الْقِلَّة فِي قَوْله : ( أَعْيُن ) لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ أَقَلّ مِنْ الْكَافِرِينَ , وَقِيلَ بَلْ جَمْع الْقِلَّة قَدْ يَأْتِي فِي مَوْضِع الْكَثْرَة وَبِالْعَكْسِ كَقَوْلِهِ : ( ثَلَاثَة قُرُوء ) وَالْأَوَّل أَوْلَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ نُكْتَة الْعُدُول إِلَى جَمْع الْقِلَّة أَوْ لِلْمُؤَاخَاةِ فِي قَوْله : ( آذَانًا ) وَقَدْ تَرِد الْقُلُوب عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّل , وَجَوَابه أَنَّهُ لَمْ يُسْمَع لِلْقُلُوبِ جَمْع قِلَّة كَمَا لَمْ يُسْمَع لِلآذَانِ جَمْعُ كَثْرة.