💡 شرح فتح الباري
قَوْله : ( سَأَلْت أَبَا سَلَمَة ) أَيْ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف. قَوْله : ( فَقُلْت أُنْبِئْت أَنَّهُ اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك ) فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ حَرْب " قُلْت إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَوَّل مَا نَزَلَ اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك " وَلَمْ يُبَيِّن يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير مَنْ أَنْبَأَهُ بِذَلِكَ , وَلَعَلَّهُ يُرِيد عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , كَمَا لَمْ يُبَيِّن أَبُو سَلَمَة مَنْ أَنْبَأَهُ بِذَلِكَ , وَلَعَلَّهُ يُرِيد عَائِشَة فَإِنَّ الْحَدِيث مَشْهُور عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْء الْوَحْي مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْهُ مُطَوَّلًا , وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ جَابِر تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَوَّلِيَّةِ فِي قَوْله " أَوَّل مَا نَزَلَ سُورَة الْمُدَّثِّر " أَوَّلِيَّة مَخْصُوصَة بِمَا بَعْد فَتْرَة الْوَحْي , أَوْ مَخْصُوصَة بِالْأَمْرِ بِالْإِنْذَارِ , لَا أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهَا أَوَّلِيَّة مُطْلَقَة , فَكَأَنَّ مَنْ قَالَ أَوَّل مَا نَزَلَ اِقْرَأْ أَرَادَ أَوَّلِيَّة مُطْلَقَة , وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا الْمُدَّثِّر أَرَادَ بِقَيْدِ التَّصْرِيح بِالْإِرْسَالِ , قَالَ الْكَرْمَانِيُّ اِسْتَخْرَجَ جَابِر " أَوَّل مَا نَزَلَ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ " بِاجْتِهَادٍ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ رِوَايَته , وَالصَّحِيح مَا وَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة " فَرَأَيْت شَيْئًا - أَيْ جِبْرِيل - بِحِرَاءَ , فَقَالَ لِي : اِقْرَأْ فَخِفْت , فَأَتَيْت خَدِيجَة فَقُلْت : دَثِّرُونِي فَنَزَلَتْ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ " قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون الْأَوَّلِيَّة فِي نُزُول يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ بِقَيْدِ السَّبَب , أَيْ هِيَ أَوَّل مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن بِسَبَبٍ مُتَقَدِّم وَهُوَ مَا وَقَعَ مِنْ التَّدَثُّر النَّاشِئ عَنْ الرُّعْب , وَأَمَّا اِقْرَأْ فَنَزَلَتْ اِبْتِدَاء بِغَيْرِ سَبَب مُتَقَدِّم , وَلَا يَخْفَى بُعْد هَذَا الِاحْتِمَال. وَفِي أَوَّل سُورَة نَزَلَتْ قَوْلٌ آخَر نُقِلَ عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ قَالَ : الْمُزَّمِّل نَزَلَتْ قَبْل الْمُدَّثِّر. وَعَطَاء ضَعِيف , وَرِوَايَته مُعْضِلَة لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت لِقَاؤُهُ لِصَحَابِيٍّ مُعَيَّن , وَظَاهِر الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة تَأَخُّر الْمُزَّمِّل لِأَنَّ فِيهَا ذِكْر قِيَام اللَّيْل وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا تَرَاخَى عَنْ اِبْتِدَاء نُزُول الْوَحْي , بِخِلَافِ الْمُدَّثِّر فَإِنَّ فِيهَا { قُمْ فَأَنْذِرْ }. وَعَنْ مُجَاهِد : أَوَّل سُورَة نَزَلَتْ ن وَالْقَلَمِ , وَأَوَّل سُورَة نَزَلَتْ بَعْد الْهِجْرَة وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. وَالْمُشْكِل مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير قَوْله " جَاوَرْت بِحِرَاءَ شَهْرًا , فَلَمَّا قَضَيْت جِوَارِي نَزَلْت فَاسْتَبْطَنْت الْوَادِي , فَنُودِيت - إِلَى أَنْ قَالَ - فَرَفَعْت رَأْسِي فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْش فِي الْهَوَاء - يَعْنِي جِبْرِيل - فَأَتَيْت خَدِيجَة فَقُلْت : دَثِّرُونِي ". وَيُزِيل الْإِشْكَال أَحَد أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُون سَقَطَ عَلَى يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير وَشَيْخه مِنْ الْقِصَّة مَجِيء جِبْرِيل بِحِرَاءَ بِاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك وَسَائِر مَا ذَكَرَتْهُ عَائِشَة , وَإِمَّا أَنْ يَكُون جَاوَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمَ بِحِرَاءَ شَهْرًا آخَر , فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي مُرْسَل عُبَيْد بْن عُمَيْر عِنْد الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُجَاوِر فِي كُلّ سَنَة شَهْرًا وَهُوَ رَمَضَان , وَكَانَ ذَلِكَ فِي مُدَّة فَتْرَة الْوَحْي , فَعَادَ إِلَيْهِ جِبْرِيل بَعْد اِنْقِضَاء جِوَاره. قَوْله : ( فَجُئِثْت ) يَأْتِي ضَبْطه فِي سُورَة اِقْرَأْ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.