💡 شرح فتح الباري
قَوْله ( أَنَّ عَائِشَة قَالَتْ ) كَذَا قَالَ صَالِح بْن كَيْسَانَ مِثْله كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَدَب , وَقَالَ سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة " عَنْ عَائِشَة قَالَتْ " وَسَيَأْتِي فِي اِسْتِتَابَة الْمُرْتَدِّينَ. قَوْله ( دَخَلَ رَهْط مِنْ الْيَهُود ) لَمْ أَعْرِف أَسْمَاءَهُمْ , لَكِنْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيف عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم قَالَ " بَيْنَمَا أَنَا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَ رَجُل مِنْ الْيَهُود يُقَال لَهُ ثَعْلَبَة بْن الْحَارِث فَقَالَ : السَّام عَلَيْك يَا مُحَمَّد. فَقَالَ : وَعَلَيْكُمْ. فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُون أَحَد الرَّهْط الْمَذْكُورِينَ , وَكَانَ هُوَ الَّذِي بَاشَرَ الْكَلَام عَنْهُمْ كَمَا جَرَتْ الْعَادَة مِنْ نِسْبَة الْقَوْل إِلَى جَمَاعَة وَالْمُبَاشِر لَهُ وَاحِد مِنْهُمْ ; لِأَنَّ اِجْتِمَاعهمْ وَرِضَاهُمْ بِهِ فِي قُوَّة مَنْ شَارَكَهُ فِي النُّطْق. قَوْله ( فَقَالُوا السَّام عَلَيْك ) كَذَا فِي الْأُصُول بِأَلِفٍ سَاكِنَة , وَسَيَأْتِي فِي الْكَلَام عَلَى الْحَدِيث الثَّانِي أَنَّهُ جَاءَ بِالْهَمْزِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِير السَّوْم بِالْمَوْتِ فِي كِتَاب الطِّبّ , وَقِيلَ هُوَ الْمَوْت الْعَاجِل. قَوْله ( فَفَهِمْتهَا فَقُلْت : عَلَيْكُمْ السَّام وَاللَّعْنَة ) فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْأَدَب " فَقَالَتْ عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمْ اللَّه وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ " وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْهَا " بَلْ عَلَيْكُمْ السَّام وَالذَّام " بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ لُغَة فِي الذَّمّ ضِدّ الْمَدْح يُقَال ذَمّ بِالتَّشْدِيدِ وَذَام بِالتَّخْفِيفِ وَذَيْم بِتَحْتَانِيَّةِ سَاكِنَة , وَقَالَ عِيَاض : لَمْ يَخْتَلِف الرُّوَاة أَنَّ الذَّامَ فِي هَذَا الْحَدِيث بِالْمُعْجَمَةِ , وَلَوْ رُوِيَ بِالْمُهْمَلَةِ مِنْ الدَّوَام لَكَانَ لَهُ وَجْه وَلَكِنْ كَانَ يَحْتَاج لِحَذْفِ الْوَاو لِيَصِيرَ صِفَة لِلسَّامِ , وَقَدْ حَكَى اِبْن الْأَعْرَابِيّ الدَّام لُغَة فِي الدَّائِم , قَالَ اِبْن بَطَّال : فَسَّرَ أَبُو عُبَيْد السَّام بِالْمَوْتِ وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ قَتَادَة تَأَوَّلَهُ عَلَى خِلَاف ذَلِكَ , فَفِي رِوَايَة عَبْد الْوَارِث بْن سَعِيد عَنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة قَالَ : كَانَ قَتَادَة يَقُول تَفْسِير السَّام عَلَيْكُمْ تُسَامُونَ دِينكُمْ وَهُوَ - يَعْنِي السَّام - مَصْدَر سَئِمَهُ سَآمَة وَسَآمًا مِثْل رَضَعَهُ رَضَاعَة وَرَضَاعًا. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَوَجَدْت هَذَا الَّذِي فَسَّرَهُ قَتَادَة مَرْوِيًّا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَهُ بَقِيّ بْن مَخْلَد فِي تَفْسِيره مِنْ طَرِيق سَعِيد عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَا هُوَ جَالِس مَعَ أَصْحَابه إِذْ أَتَى يَهُودِيّ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ فَقَالَ : هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ ؟ قَالُوا سَلَّمَ يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : قَالَ سَام عَلَيْكُمْ أَيْ تُسَامُونَ دِينكُمْ. قُلْت : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله أَيْ تُسَامُونَ دِينكُمْ تَفْسِير قَتَادَة كَمَا بَيَّنَتْهُ رِوَايَة عَبْد الْوَارِث الَّتِي ذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ , وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّار وَابْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس " مَرَّ يَهُودِيّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَرَدَّ عَلَيْهِ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ ؟ قَالُوا نَعَمْ سَلَّمَ عَلَيْنَا. قَالَ فَإِنَّهُ قَالَ السَّام عَلَيْكُمْ أَيْ تُسَامُونَ دِينكُمْ , رُدُّوهُ عَلَيَّ , فَرَدُّوهُ فَقَالَ كَيْف قُلْت قَالَ السَّام عَلَيْكُمْ. فَقَالَ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْل الْكِتَاب فَقُولُوا عَلَيْكُمْ مَا قُلْتُمْ " لَفْظ الْبَزَّار وَفِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان " أَنَّ يَهُودِيًّا سَلَّمَ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَدْرُونَ " وَالْبَاقِي نَحْوه وَلَمْ يَذْكُر قَوْله " رُدُّوهُ إِلَخْ " وَقَالَ فِي آخِره " فَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ رَجُل مِنْ أَهْل الْكِتَاب فَقُولُوا وَعَلَيْك ". قَوْله ( وَاللَّعْنَة ) يَحْتَمِل أَنْ تَكُون عَائِشَة فَهِمَتْ كَلَامهمْ بِفِطْنَتِهَا فَأَنْكَرَتْ عَلَيْهِمْ وَظَنَّتْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَنَّ أَنَّهُمْ تَلَفَّظُوا بِلَفْظِ السَّلَام فَبَالَغَتْ فِي الْإِنْكَار عَلَيْهِمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَقَ لَهَا سَمَاع ذَلِكَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي حَدِيثَيْ اِبْن عُمَر وَأَنَس فِي الْبَاب , وَإِنَّمَا أَطْلَقَتْ عَلَيْهِمْ اللَّعْنَة إِمَّا لِأَنَّهَا كَانَتْ تَرَى جَوَاز لَعْن الْكَافِر الْمُعَيَّن بِاعْتِبَارِ الْحَالَة الرَّاهِنَة لَا سِيَّمَا إِذَا صَدَرَ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي التَّأْدِيب , وَإِمَّا لِأَنَّهَا تَقَدَّمَ لَهَا عِلْم بِأَنَّ الْمَذْكُورِينَ يَمُوتُونَ عَلَى الْكُفْر فَأَطْلَقَتْ اللَّعْن وَلَمْ تُقَيِّدهُ بِالْمَوْتِ , وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَعَوَّد لِسَانهَا بِالْفُحْشِ , أَوْ أَنْكَرَ عَلَيْهَا الْإِفْرَاط فِي السَّبّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِل الْأَدَب فِي " بَاب الرِّفْق " مَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ , وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى جَوَاز لَعْن الْمُشْرِك الْمُعَيَّن الْحَيّ فِي " بَاب الدُّعَاء عَلَى الْمُشْرِكِينَ " مِنْ كِتَاب الدَّعَوَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. قَوْله ( مَهْلًا يَا عَائِشَة ) تَقَدَّمَ بِشَرْحِهِ فِي " بَاب الرِّفْق " مِنْ كِتَاب الْأَدَب. قَوْله ( فَقَدْ قُلْت عَلَيْكُمْ ) وَكَذَا فِي رِوَايَة مَعْمَر وَشُعَيْب عَنْ الزُّهْرِيِّ عِنْد مُسْلِم بِحَذْفِ الْوَاو , وَعِنْده فِي رِوَايَة سُفْيَان , وَعِنْد النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَة أُخْرَى عَنْ الزُّهْرِيِّ بِإِثْبَاتِ الْوَاو. قَالَ الْمُهَلَّب : فِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز اِنْخِدَاع الْكَبِير لِلْمَكَايِدِ وَمُعَارَضَته مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُر إِذَا رُجِيَ رُجُوعه. قُلْت : فِي تَقْيِيده بِذَلِكَ نَظَر ; لِأَنَّ الْيَهُود حِينَئِذٍ كَانُوا أَهْل عَهْد , فَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِمَصْلَحَةِ التَّآلُف.