💡 شرح فتح الباري
قَوْله ( عَلَّمَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَفِّي بَيْن كَفَّيْهِ التَّشَهُّد ) كَذَا عِنْده بِتَأْخِيرِ الْمَفْعُول عَنْ الْجُمْلَة الْحَالِيَّة. وَفِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة الْآتِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا بِتَقْدِيمِ الْمَفْعُول وَهُوَ لَفْظ التَّشَهُّد. قَوْله فِي آخِره ( وَهُوَ بَيْن ظَهْرَانَيْنَا ) بِفَتْحِ النُّون وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة ثُمَّ نُون أَصْله ظَهْرنَا وَالتَّثْنِيَة بِاعْتِبَارِ الْمُتَقَدِّم عَنْهُ وَالْمُتَأَخِّر أَيْ كَائِن بَيْننَا وَالْأَلِف وَالنُّون زِيَادَة لِلتَّأْكِيدِ وَلَا يَجُوز كَسْر النُّون الْأُولَى قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره. قَوْله ( فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا السَّلَام يَعْنِي عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هَكَذَا جَاءَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث التَّشَهُّد هَذَا فِي أَوَاخِر صِفَة الصَّلَاة قُبَيْل كِتَاب الْجُمُعَة مِنْ رِوَايَة شَقِيق بْن سَلَمَة عَنْ اِبْن مَسْعُود وَلَيْسَتْ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَة , وَتَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى وَأَمَّا هَذِهِ الزِّيَادَة فَظَاهِرهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ " السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ " بِكَافِ الْخِطَاب فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا مَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكُوا الْخِطَاب وَذَكَرُوهُ بِلَفْظِ الْغَيْبَة فَصَارُوا يَقُولُونَ " السَّلَام عَلَى النَّبِيّ " وَأَمَّا قَوْله فِي آخِره " يَعْنِي عَلَى النَّبِيّ " فَالْقَائِل " يَعْنِي " هُوَ الْبُخَارِيّ , وَإِلَّا فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة فِي مُسْنَده وَمُصَنَّفه عَنْ أَبِي نُعَيْم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ فِي آخِره " فَلَمَّا قُبِضَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا السَّلَام عَلَى النَّبِيّ " وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم مِنْ طَرِيق أَبِي بَكْر , وَقَدْ أَشْبَعْت الْقَوْل فِي هَذَا عِنْد شَرْح الْحَدِيث الْمَذْكُور , قَالَ اِبْن بَطَّال : الْأَخْذ بِالْيَدِ هُوَ مُبَالَغَة الْمُصَافَحَة وَذَلِكَ مُسْتَحَبّ عِنْد الْعُلَمَاء , وَإِنَّمَا اِخْتَلَفُوا فِي تَقْبِيل الْيَد فَأَنْكَرَهُ مَالِك وَأَنْكَرَ مَا رُوِيَ فِيهِ , وَأَجَازَهُ آخَرُونَ وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَر أَنَّهُمْ " لَمَّا رَجَعُوا مِنْ الْغَزْو حَيْثُ فَرُّوا قَالُوا نَحْنُ الْفَرَّارُونَ , فَقَالَ : بَلْ أَنْتُمْ الْعَكَّارُونَ أَنَا فِئَة الْمُؤْمِنِينَ , قَالَ فَقَبَّلْنَا يَده " قَالَ " وَقَبَّلَ أَبُو لُبَابَة وَكَعْب بْن مَالِك وَصَاحِبَاهُ يَد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين تَابَ اللَّه عَلَيْهِمْ " ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيّ , وَقَبَّلَ أَبُو عُبَيْدَة يَد عُمَر حِين قَدِمَ , وَقَبَّلَ زَيْد بْن ثَابِت يَد اِبْن عَبَّاس حِين أَخَذَ اِبْن عَبَّاس بِرِكَابِهِ , قَالَ الْأَبْهَرِيّ : وَإِنَّمَا كَرِهَهَا مَالِك إِذَا كَانَتْ عَلَى وَجْه التَّكَبُّر وَالتَّعَظُّم , وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ عَلَى وَجْه الْقُرْبَة إِلَى اللَّه لِدِينِهِ أَوْ لِعِلْمِهِ أَوْ لِشَرَفِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِز. قَالَ اِبْن بَطَّال : وَذَكَرَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث صَفْوَان بْن عَسَّال " أَنَّ يَهُودِيَّيْنِ أَتَيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْع آيَات " الْحَدِيث وَفِي آخِره " فَقَبَّلَا يَده وَرِجْله " قَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن صَحِيح قُلْت : حَدِيث اِبْن عُمَر أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي " الْأَدَب الْمُفْرَد " وَأَبُو دَاوُدَ , وَحَدِيث أَبِي لُبَابَة أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّلَائِل " وَابْن الْمُقْرِي , وَحَدِيث كَعْب وَصَاحِبَيْهِ أَخْرَجَهُ اِبْن الْمُقْرِي , وَحَدِيث أَبِي عُبَيْدَة أَخْرَجَهُ سُفْيَان فِي جَامِعه , وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَابْن الْمُقْرِي , وَحَدِيث صَفْوَان أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم. وَقَدْ جَمَعَ الْحَافِظ أَبُو بَكْر بْن الْمُقْرِي جُزْءًا فِي تَقْبِيل الْيَد سَمِعْنَاهُ , أَوْرَدَ فِيهِ أَحَادِيث كَثِيرَة وَآثَارًا , فَمِنْ جَيِّدهَا حَدِيث الزَّارِع الْعَبْدِيّ وَكَانَ فِي وَفْد عَبْد الْقَيْس قَالَ " فَجَعَلْنَا نَتَبَادَر مِنْ رَوَاحِلنَا فَنُقَبِّل يَد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجْله " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ , وَمِنْ حَدِيث مَزِيدَة الْعَصَرِيّ مِثْله , وَمِنْ حَدِيث أُسَامَة بْن شَرِيك قَالَ " قُمْنَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلْنَا يَده " وَسَنَده قَوِيّ وَمِنْ حَدِيث جَابِر " أَنَّ عُمَر قَامَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلَ يَده " وَمِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ فِي قِصَّة الْأَعْرَابِيّ وَالشَّجَرَة فَقَالَ " يَا رَسُول اللَّه اِئْذَنْ لِي أَنْ أُقَبِّل رَأَسَك وَرِجْلَيْك فَأَذِنَ لَهُ " وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيّ فِي " الْأَدَب الْمُفْرَد " مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن رَزِين قَالَ " أَخْرَجَ لَنَا سَلَمَة بْن الْأَكْوَع كَفًّا لَهُ ضَخْمَة كَأَنَّهَا كَفّ بَعِير فَقُمْنَا إِلَيْهَا فَقَبَّلْنَاهَا " وَعَنْ ثَابِت أَنَّهُ قَبَّلَ يَد أَنَس , وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَنَّ عَلِيًّا قَبَّلَ يَد الْعَبَّاس وَرِجْله , وَأَخْرَجَهُ اِبْن الْمُقْرِي , وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق أَبِي مَالِك الْأَشْجَعِي قَالَ : قُلْت لِابْنِ أَبِي أَوْفَى نَاوِلْنِي يَدك الَّتِي بَايَعْت بِهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَاوَلَنِيهَا فَقَبَّلْتهَا. قَالَ النَّوَوِيّ : تَقْبِيل يَد الرَّجُل لِزُهْدِهِ وَصَلَاحه أَوْ عِلْمه أَوْ شَرَفه أَوْ صِيَانَته أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأُمُور الدِّينِيَّة لَا يُكْرَه بَلْ يُسْتَحَبّ , فَإِنْ كَانَ لِغِنَاهُ أَوْ شَوْكَته أَوْ جَاهه عِنْد أَهْل الدُّنْيَا فَمَكْرُوه شَدِيد الْكَرَاهَة وَقَالَ أَبُو سَعِيد الْمُتَوَلِّي : لَا يَجُوز.