💡 شرح فتح الباري
قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ) هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو نُعَيْم , وَأَبُو حَازِم هُوَ سَلَمَة بْن دِينَار. قَوْله ( مَرَّ رَجُل عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْده : مَا رَأْيك فِي هَذَا ) ؟ تَقَدَّمَ فِي " بَاب الْأَكْفَاء فِي الدِّين " مِنْ أَوَائِل النِّكَاح عَنْ إِبْرَاهِيم بْن حَمْزَة عَنْ أَبِي حَازِم " فَقَالَ مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا " وَهُوَ خِطَاب لِجَمَاعَةٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة جُبَيْر بْن نُفَيْر عَنْ أَبِي ذَرّ عِنْد أَحْمَد وَأَبِي يَعْلَى وَابْن حِبَّان بِلَفْظِ " قَالَ لِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُنْظُرْ إِلَى أَرْفَع رَجُل فِي الْمَسْجِد فِي عَيْنَيْك , قَالَ فَنَظَرْت إِلَى رَجُل فِي حُلَّة " الْحَدِيث , فَعُرِفَ مِنْهُ أَنَّ الْمَسْئُول هُوَ أَبُو ذَرّ , وَيُجْمَع بَيْنه وَبَيْن حَدِيث سَهْل أَنَّ الْخِطَاب وَقَعَ لِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَبُو ذَرّ وَوُجِّهَ إِلَيْهِ فَأَجَابَ وَلِذَلِكَ نَسَبَهُ لِنَفْسِهِ , وَأَمَّا الْمَارّ فَلَمْ أَقِف عَلَى اِسْمه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أُخْرَى لِابْنِ حِبَّان " سَأَلَنِي رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَجُل مِنْ قُرَيْش فَقَالَ : هَلْ تَعْرِف فُلَانًا ؟ قُلْت : نَعَمْ " الْحَدِيث وَوَقَعَ فِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاق مَا قَدْ يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ عُيَيْنَة بْن حِصْن الْفَزَارِيُّ أَوْ الْأَقْرَع بْن حَابِس التَّمِيمِيّ كَمَا سَأَذْكُرُهُ. قَوْله ( فَقَالَ ) أَيْ الْمَسْئُول. قَوْله ( رَجُل مِنْ أَشْرَاف النَّاس ) أَيْ هَذَا رَجُل مِنْ أَشْرَاف النَّاس , وَوَقَعَ كَذَلِكَ عِنْد اِبْن مَاجَهْ عَنْ مُحَمَّد اِبْن الصَّبَّاحِ عَنْ أَبِي حَازِم. قَوْله ( هَذَا وَاَللَّه حَرِيّ ) بِفَتْحِ الْحَاء وَكَسْر الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَتَشْدِيد آخِره , أَيْ جَدِير وَحَقِيق وَزْنًا وَمَعْنًى , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن حَمْزَة " قَالُوا حَرِيٌّ ". قَوْله ( إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَح ) بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح ثَالِثه أَيْ تُجَاب خِطْبَته ( وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّع ) بِتَشْدِيدِ الْفَاء أَيْ تُقْبَل شَفَاعَته , وَزَادَ إِبْرَاهِيم بْن حَمْزَة فِي رِوَايَته " وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَع " وَفِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان " إِذَا سَأَلَ أُعْطِىَ وَإِذَا حَضَرَ أُدْخِلَ ". قَوْله ( ثُمَّ مَرَّ رَجُل ) زَادَ إِبْرَاهِيم " مِنْ فُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ " وَفِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان " مِسْكِين مِنْ أَهْل الصُّفَّة ". قَوْله ( هَذَا خَيْر مِنْ مِلْء ) بِكَسْرِ الْمِيم وَسُكُون اللَّام مَهْمُوز. قَوْله ( مِثْل ) بِكَسْرِ اللَّام وَيَجُوز فَتْحهَا , قَالَ الطِّيبِيُّ : وَقَعَ التَّفْضِيل بَيْنهمَا بِاعْتِبَارِ مُمَيِّزه وَهُوَ قَوْله بَعْد هَذَا لِأَنَّ الْبَيَان وَالْمُبِين شَيْء وَاحِد , زَادَ أَحْمَد وَابْن حِبَّان " عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة " وَفِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان الْأُخْرَى " خَيْر مِنْ طِلَاع الْأَرْض مِنْ الْآخِر " وَطِلَاع بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف اللَّام وَآخِره مُهْمَلَة أَيْ مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْس مِنْ الْأَرْض كَذَا قَالَ عِيَاض , وَقَالَ غَيْره : الْمُرَاد مَا فَوْق الْأَرْض , وَزَادَ فِي آخِر هَذِهِ الرِّوَايَة " فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه أَفَلَا يُعْطَى هَذَا كَمَا يُعْطَى الْآخَر ؟ قَالَ : إِذَا أُعْطِىَ خَيْرًا فَهُوَ أَهْله وَإِذَا صُرِفَ عَنْهُ فَقَدْ أُعْطِىَ حَسَنَة " وَفِي رِوَايَة أَبِي سَالِم الْجَيْشَانِيّ عَنْ أَبِي ذَرّ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُحَمَّد بْن هَارُون الرُّوْيَانِيّ فِي مُسْنَده وَابْن عَبْد الْحَكَم فِي " فُتُوح مِصْر " وَمُحَمَّد اِبْن الرَّبِيع الْجِيزِيّ فِي " مُسْنَد الصَّحَابَة الَّذِينَ نَزَلُوا مِصْر " مَا يُؤْخَذ مِنْهُ تَسْمِيَة الْمَارّ الثَّانِي وَلَفْظه " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ كَيْف تَرَى جُعَيْلًا ؟ قُلْت : مِسْكِينًا كَشَكْلِهِ مِنْ النَّاس , قَالَ : فَكَيْف تَرَى فُلَانًا ؟ قُلْت : سَيِّدًا مِنْ السَّادَات , قَالَ : فَجُعَيْلٌ خَيْر مِنْ مِلْء الْأَرْض مِثْل هَذَا. قَالَ فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه فَفُلَان هَكَذَا وَتَصْنَع بِهِ مَا تَصْنَع ؟ قَالَ : إِنَّهُ رَأْس قَوْمه فَأَتَأَلَّفهُمْ ". وَذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ مُرْسَلًا أَوْ مُعْضِلًا قَالَ " قِيلَ يَا رَسُول اللَّه أَعْطَيْت عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَع مِائَة مِائَة وَتَرَكْت جُعَيْلًا. قَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَجُعَيْلُ بْن سُرَاقَة خَيْر مِنْ طِلَاع الْأَرْض مِثْل عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَع , وَلَكِنِّي أَتَأَلَّفهُمَا وَأَكِل جُعَيْلًا إِلَى إِيمَانه " وَلِجُعَيْلٍ الْمَذْكُور ذِكْر فِي حَدِيث أَخِيهِ عَوْف بْن سُرَاقَة فِي غَزْوَة بَنِي قُرَيْظَة وَفِي حَدِيث الْعِرْبَاض بْن سَارِيَة فِي غَزْوَة تَبُوك , وَقِيلَ فِيهِ جِعَال بِكَسْرِ أَوَّله وَتَخْفِيف ثَانِيه وَلَعَلَّهُ صُغِّرَ وَقِيلَ بَلْ هُمَا أَخَوَانِ. وَفِي الْحَدِيث بَيَان فَضْل جُعَيْلٍ الْمَذْكُور وَأَنَّ السِّيَادَة بِمُجَرَّدِ الدُّنْيَا لَا أَثَر لَهَا , وَإِنَّمَا الِاعْتِبَار فِي ذَلِكَ بِالْآخِرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ " أَنَّ الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة " وَأَنَّ الَّذِي يَفُوتهُ الْحَظّ مِنْ الدُّنْيَا يُعَاض عَنْهُ بِحَسَنَةِ الْآخِرَة فَفِيهِ فَضِيلَة لِلْفَقْرِ كَمَا تَرْجَمَ بِهِ , لَكِنْ لَا حُجَّة فِيهِ لِتَفْضِيلِ الْفَقِير عَلَى الْغَنِيّ قَالَ اِبْن بَطَّال لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ فُضِّلَ عَلَيْهِ لِفَقْرِهِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُول : خَيْرٌ مِنْ مِلْء الْأَرْض مِثْله لَا فَقِير فِيهِمْ , وَإِنْ كَانَ لِفَضْلِهِ فَلَا حُجَّة فِيهِ. قُلْت يُمْكِنهُمْ أَنْ يَلْتَزِمُوا الْأَوَّل وَالْحَيْثِيَّة مَرْعِيَّة , لَكِنْ تَبَيَّنَ مِنْ سِيَاق طُرُق الْقِصَّة أَنَّ جِهَة تَفْضِيله إِنَّمَا هِيَ لِفَضْلِهِ بِالتَّقْوَى وَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَة مَفْرُوضَة فِي فَقِير مُتَّقٍ وَغَنِيّ غَيْر مُتَّقٍ بَلْ لَا بُدّ مِنْ اِسْتِوَائِهِمَا أَوَّلًا فِي التَّقْوَى , وَأَيْضًا فَمَا فِي التَّرْجَمَة تَصْرِيح بِتَفْضِيلِ الْفَقْر عَلَى الْغِنَى , إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ ثُبُوت فَضِيلَة الْفَقْر أَفْضَلِيَّته , وَكَذَلِكَ لَا يَلْزَم مِنْ ثُبُوت أَفْضَلِيَّة فَقِير عَلَى غَنِيّ أَفَضَلِيَّة كُلّ فَقِير عَلَى كُلّ غَنِيّ.