📚 التخريج و شرح الألفاظ
(أعتق غلاما له عن دبر) أي دبره فقال له: أنت حر بعد موتي. وسمي هذا تدبيرا لأنه يحصل العتق فيه دبر الحياة. (فاشتراه نعيم بن عبد الله وفي رواية: فاشتراه ابن النخام) هكذا هو في جميع النسخ: ابن النحام. قالوا: وهو غلط. وصوابه: فاشتراه النحام. فإن المشتري هو نعيم، وهو النحام. سمي بذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم (دخلت الجنة فسمعت فيها نحمة لنعيم) والنحمة الصوت، وقيل: هي السعلة، وقيل: هي النحنحة.
💡شرح النووي على مسلم
قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُر لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال غَيْره , فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ يَشْتَرِيه مِنِّي ؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْم بْن عَبْد اللَّه بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ ) مَعْنَى ( أَعْتَقَهُ عَنْ دُبُر ) أَيْ : دَبَّرَهُ , فَقَالَ لَهُ : أَنْتَ حُرٌّ بَعْد مَوْتِي , وَسُمِّيَ هَذَا تَدْبِيرًا ; لِأَنَّهُ يَحْصُل الْعِتْق فِي دُبُر الْحَيَاة. وَأَمَّا هَذَا الرَّجُل الْأَنْصَارِيّ فَيُقَال لَهُ : أَبُو مَذْكُور , وَاسْم الْغُلَام الْمُدَبَّر : يَعْقُوب. وَفِي هَذَا الْحَدِيث : دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ : أَنَّهُ يَجُوز بَيْع الْمُدَبَّر قَبْل مَوْت سَيِّده لِهَذَا الْحَدِيث قِيَاسًا عَلَى الْمُوصَى بِعِتْقِهِ , فَإِنَّهُ يَجُوز بَيْعه بِالْإِجْمَاعِ , وَمِمَّنْ جَوَّزَهُ : عَائِشَة وَطَاوُسٌ وَعَطَاء وَالْحَسَن وَمُجَاهِد وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَمَالِك - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا - وَجُمْهُور الْعُلَمَاء وَالسَّلَف مِنْ الْحِجَازِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ - رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى - : لَا يَجُوز بَيْع الْمُدَبَّر , قَالُوا : وَإِنَّمَا بَاعَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَيْن كَانَ عَلَى سَيِّده , وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة لِلنَّسَائِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيّ : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : ( اِقْضِ بِهِ دَيْنك ) , قَالُوا : وَإِنَّمَا دَفَعَ إِلَيْهِ ثَمَنه لِيَقْضِيَ بِهِ دَيْنه , وَتَأَوَّلَهُ بَعْض الْمَالِكِيَّة عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَال غَيْره , فَرَدَّ تَصَرُّفه , قَالَ هَذَا الْقَائِل وَكَذَلِكَ يُرَدّ تَصَرُّف مَنْ تَصَدَّقَ بِكُلِّ مَاله , وَهَذَا ضَعِيف بَلْ بَاطِل , وَالصَّوَاب نَفَاذ تَصَرُّف مَنْ تَصَدَّقَ بِكُلِّ مَاله , وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : الْأَشْبَه عِنْدِي أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ نَظَرًا لَهُ إِذْ لَمْ يَتْرُك لِنَفْسِهِ مَالًا , وَالصَّحِيح مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره , وَأَنَّهُ يَجُوز بَيْع الْمُدَبَّر بِكُلِّ حَال مَا لَمْ يَمُتْ السَّيِّد. وَاللَّهُ أَعْلَم. وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صِحَّة التَّدْبِير , ثُمَّ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَالْجُمْهُور : أَنَّهُ يُحْسَب عِتْقه مِنْ الثُّلُث , وَقَالَ اللَّيْث وَزُفَر - رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى - : هُوَ مِنْ رَأْس الْمَال. وَفِي هَذَا الْحَدِيث : نَظَر الْإِمَام فِي مَصَالِح رَعِيَّته , وَأَمْره إِيَّاهُمْ بِمَا فِيهِ الرِّفْق بِهِمْ وَبِإِبْطَالِهِمْ مَا يَضُرّهُمْ مِنْ تَصَرُّفَاتهمْ الَّتِي يُمْكِن فَسْخهَا. وَفِيهِ : جَوَاز الْبَيْع فِيمَنْ يُدَبَّر , وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ الْآن , وَقَدْ كَانَ فِيهِ خِلَاف ضَعِيف لِبَعْضِ السَّلَف. قَوْله : ( وَاشْتَرَاهُ نُعَيْم بْن عَبْد اللَّه ) وَفِي رِوَايَة : ( فَاشْتَرَاهُ اِبْن النَّحَّام ) بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَة وَالْحَاء الْمُهْمَلَة الْمُشَدَّدَة هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( اِبْن النَّحَّام ) بِالنُّونِ , قَالُوا : وَهُوَ غَلَط وَصَوَابه : ( فَاشْتَرَاهُ النَّحَّام ) فَإِنَّ الْمُشْتَرِي هُوَ نُعَيْم وَهُوَ النَّحَّام سُمِّيَ بِذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " دَخَلْت الْجَنَّة فَسَمِعْت فِيهَا نَحْمَة لِنُعَيْمٍ " وَالنَّحْمَة الصَّوْت , وَقِيلَ : هِيَ السَّلْعَة , وَقِيلَ : النَّحْنَحَة. وَاللَّهُ أَعْلَم.