💡شرح النووي على مسلم
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي كَلَام الْبَقَرَة وَكَلَام الذِّئْب وَتَعَجُّب النَّاس مِنْ ذَلِكَ , ( فَإِنِّي أُومِن بِهِ وَأَبُو بَكْر وَعُمَر وَمَا هُمَا ) ثُمَّ قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ثِقَة بِهِمَا لِعِلْمِهِ بِصِدْقِ إِيمَانهمَا , وَقُوَّة يَقِينهمَا , وَكَمَال مَعْرِفَتهمَا لِعَظِيمِ سُلْطَان اللَّه وَكَمَال قُدْرَته. فَفِيهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِأَبِي بَكْر وَعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا. وَفِيهِ جَوَاز كَرَامَات الْأَوْلِيَاء وَخَرْق الْعَوَائِد , وَهُوَ مَذْهَب أَهْل الْحَقّ , وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَة. قَوْله : ( قَالَ الذِّئْب : مَنْ لَهَا يَوْم السَّبُع يَوْم لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي ) رُوِيَ ( السَّبُع ) بِضَمِّ الْبَاء وَإِسْكَانهَا , الْأَكْثَرُونَ عَلَى الضَّمِّ. قَالَ الْقَاضِي : الرِّوَايَة بِالضَّمِّ , وَقَالَ أَهْل اللُّغَة : هِيَ سَاكِنَةٌ , وَجَعْله اِسْمًا لِلْمَوْضِعِ الَّذِي عِنْده الْمَحْشَر يَوْم الْقِيَامَة , أَيْ مَنْ لَهَا يَوْم الْقِيَامَة ؟ وَأَنْكَرَ بَعْض أَهْل اللُّغَة أَنْ يَكُونَ هَذَا اِسْمًا لِيَوْمِ الْقِيَامَة , وَقَالَ بَعْض أَهْل اللُّغَة : يُقَالُ : سَبَّعْت الْأَسَد إِذَا دَعَوْته , فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا مَنْ لَهَا يَوْم الْفَزَع ؟ وَيَوْم الْقِيَامَة يَوْم الْفَزَع , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد مَنْ لَهَا يَوْم الْإِهْمَال ؟ مِنْ أَسَبَعْت الرَّجُل أَهْمَلْته , وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَوْم السَّبْع بِالْإِسْكَانِ عِيد كَانَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة يَشْتَغِلُونَ فِيهِ بِلَعِبِهِمْ , فَيَأْكُلُ الذِّئْبُ غَنَمَهُمْ. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : يَوْم السَّبُع أَيْ يَوْمَ يَطْرُدُك عَنْهَا السَّبُع , وَبَقِيت أَنَا فِيهَا لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي لِفِرَارِك مِنْهُ , فَأَفْعَلُ فِيهَا مَا أَشَاءُ. هَذَا كَلَام الْقَاضِي. وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : هُوَ بِالْإِسْكَانِ أَيْ يَوْم الْقِيَامَة , أَوْ يَوْم الذُّعْر. وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ آخَرُونَ هَذَا لِقَوْلِهِ : يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي , وَيَوْم الْقِيَامَة لَا يَكُون الذِّئْبُ رَاعِيهَا , وَلَا لَهُ بِهَا تَعَلُّق. وَالْأَصَحّ مَا قَالَهُ آخَرُونَ , وَسَبَقَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ مِنْ أَنَّهَا عِنْد الْفِتَن حِين تَتْرُكهَا النَّاس هَمَلًا لَا رَاعِي لَهَا نُهْبَةً لِلسِّبَاعِ فَجَعَلَ السَّبُع لَهَا رَاعِيًا أَيْ مُنْفَرِدًا بِهَا , وَتَكُونُ بِضَمِّ الْبَاء. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. " 5659 " قَوْله : ( فَتَكَنَّفَهُ النَّاس ) أَيْ أَحَاطُوا بِهِ , وَالسَّرِير هُنَا النَّعْش. قَوْله : ( فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا بِرَجُلٍ ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الرَّاء , وَمَعْنَاهُ لَمْ يَفْجَأنِي إِلَّا ذَلِكَ. وَقَوْله : ( بِرَجُلٍ ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ : ( بِرَجُلٍ ) بِالْبَاءِ أَيْ لَمْ يَفْجَأنِي الْأَمْر فِي الْحَال إِلَّا بِرَجُلٍ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَضِيلَة أَبِي بَكْر وَعُمَر , وَشَهَادَة عَلِيّ لَهُمَا , وَحُسْن ثَنَائِهِ عَلَيْهِمَا , وَصِدْق مَا كَانَ يَظُنُّهُ بِعُمَر قَبْل وَفَاته رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.