📚 التخريج و شرح الألفاظ
(أنا عند ظن عبدي بي) قال القاضي: قيل معناه بالغفران له إذا استغفر، والقبول إذا تاب، والإجابة إذا دعا، والكفاية إذا طلب الكفاية. وقيل: المراد به الرجاء وتأميل العفو. وهذا أصح. (وإن تقرب مني شبرا) هذا الحديث من أحاديث الصفات. ويستحيل إرادة ظاهره. وقد سبق الكلام في أحاديث الصفات مرات. ومعناه من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي والتوفيق والإعانة. وإن زاد زدت. فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة، أي صببت عليه الرحمة وسبقته بها، ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود. والمراد أن جزاءه يكون تضعيفه على حسب تقربه.
💡شرح النووي على مسلم
قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { أَنَا عِنْد ظَنّ عَبْدِي بِي } قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ : مَعْنَاهُ بِالْغُفْرَانِ لَهُ إِذَا اِسْتَغْفَرَ , وَالْقَبُول إِذَا تَابَ , وَالْإِجَابَة إِذَا دَعَا , وَالْكِفَايَة إِذَا طَلَبَ الْكِفَايَة. وَقِيلَ : الْمُرَاد بِهِ الرَّجَاء وَتَأْمِيل الْعَفْو , وَهَذَا أَصَحُّ. قَوْله تَعَالَى : { وَأَنَا مَعَهُ حِين يَذْكُرنِي } أَيْ مَعَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالتَّوْفِيق وَالْهِدَايَة وَالرِّعَايَة. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ } فَمَعْنَاهُ بِالْعِلْمِ وَالْإِحَاطَة. قَوْله تَعَالَى : { إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسه ذَكَرْته فِي نَفْسِي } قَالَ الْمَازِرِيُّ : النَّفْس تُطْلَق فِي اللُّغَة عَلَى مَعَانٍ : مِنْهَا الدَّم , وَمِنْهَا نَفْس الْحَيَوَان , وَهُمَا مُسْتَحِيلَانِ فِي حَقِّ اللَّه تَعَالَى , وَمِنْهَا الذَّات , وَاَللَّه تَعَالَى لَهُ ذَات حَقِيقَة , وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فِي نَفْسِي } وَمِنْهَا الْغَيْب , وَهُوَ أَحَد الْأَقْوَال فِي قَوْله تَعَالَى : { تَعْلَم مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَم مَا فِي نَفْسك } أَيْ مَا فِي غَيْبِي , فَيَجُوز أَنْ يَكُون أَيْضًا مُرَاد الْحَدِيث , أَيْ إِذَا ذَكَرَنِي خَالِيًا أَثَابَهُ اللَّه , وَجَازَاهُ عَمَّا عَمِلَ بِمَا لَا يَطَّلِع عَلَيْهِ أَحَد. قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْته فِي مَلَإٍ خَيْر مِنْهُمْ } هَذَا مِمَّا اِسْتَدَلَّتْ بِهِ الْمُعْتَزِلَة وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى تَفْضِيل الْمَلَائِكَة عَلَى الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ , وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْر وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَات وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } فَالتَّقْيِيد بِالْكَثِيرِ اِحْتِرَاز مِنْ الْمَلَائِكَة , وَمَذْهَب أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ أَنَّ الْأَنْبِيَاء أَفْضَل مِنْ الْمَلَائِكَة لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي بَنِي إِسْرَائِيل : { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } وَالْمَلَائِكَة مِنْ الْعَالَمِينَ. وَيُتَأَوَّل هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الذَّاكِرِينَ غَالِبًا يَكُونُونَ طَائِفَة لَا نَبِيّ فِيهِمْ , فَإِذَا ذَكَرَهُ اللَّه فِي خَلَائِق مِنْ الْمَلَائِكَة , كَانُوا خَيْرًا مِنْ تِلْكَ الطَّائِفَة. قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْت إِلَيْهِ ذِرَاعًا , وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْت مِنْهُ بَاعًا , وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْته هَرْوَلَة } هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَحَادِيث الصِّفَات , وَيَسْتَحِيل إِرَادَة ظَاهِره , وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَام فِي أَحَادِيث الصِّفَات مَرَّات , وَمَعْنَاهُ مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِطَاعَتِي تَقَرَّبْت إِلَيْهِ بِرَحْمَتِي وَالتَّوْفِيق وَالْإِعَانَة , وَإِنْ زَادَ زِدْت , فَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي وَأَسْرَعَ فِي طَاعَتِي أَتَيْته هَرْوَلَة , أَيْ صَبَبْت عَلَيْهِ الرَّحْمَة وَسَبَقْته بِهَا , وَلَمْ أُحْوِجْه إِلَى الْمَشْي الْكَثِير فِي الْوُصُول إِلَى الْمَقْصُود , وَالْمُرَاد أَنَّ جَزَاءَهُ يَكُون تَضْعِيفه عَلَى حَسَب تَقَرُّبه.