💡شرح النووي على مسلم
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَعْمِد إِلَى سَيْفه فَيَدُقّ عَلَى حَدّه بِحَجَرٍ ) قِيلَ : الْمُرَاد كَسْر السَّيْف حَقِيقَة عَلَى ظَاهِر الْحَدِيث ; لِيَسُدّ عَلَى نَفْسه بَاب هَذَا الْقِتَال , وَقِيلَ : هُوَ مَجَاز , وَالْمُرَاد تَرْك الْقِتَال , وَالْأَوَّل أَصَحّ. وَهَذَا الْحَدِيث وَالْأَحَادِيث قَبْله وَبَعْده مِمَّا يَحْتَجّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى الْقِتَال فِي الْفِتْنَة بِكُلِّ حَال. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي قِتَال الْفِتْنَة , فَقَالَتْ طَائِفَة : لَا يُقَاتِل فِي فِتَن الْمُسْلِمِينَ , وَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْهِ بَيْته , وَطَلَبُوا قَتْله , فَلَا يَجُوز لَهُ الْمُدَافَعَة عَنْ نَفْسه ; لِأَنَّ الطَّالِب مُتَأَوِّل , وَهَذَا مَذْهَب أَبِي بَكْرَة الصَّحَابِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَغَيْره. وَقَالَ اِبْن عُمَر وَعِمْرَان بْن الْحُصَيْن رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَغَيْرهمَا : لَا يَدْخُل فِيهَا , لَكِنْ إِنْ قُصِدَ دَفَعَ عَنْ نَفْسه. فَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى تَرْك الدُّخُول فِي جَمِيع فِتَن الْإِسْلَام. وَقَالَ مُعْظَم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَعَامَّة عُلَمَاء الْإِسْلَام : يَجِب نَصْر الْمُحِقّ فِي الْفِتَن , وَالْقِيَام مَعَهُ بِمُقَاتَلَةِ الْبَاغِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي. } الْآيَة. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح , وَتُتَأَوَّل الْأَحَادِيث عَلَى مَنْ لَمْ يَظْهَر لَهُ الْحَقّ , أَوْ عَلَى طَائِفَتَيْنِ ظَالِمَتَيْنِ لَا تَأْوِيل لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا , وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُونَ لَظَهَرَ الْفَسَاد , وَاسْتَطَالَ أَهْل الْبَغْي وَالْمُبْطِلُونَ. وَاَللَّه أَعْلَم. قَوْله : ( أَرَأَيْت إِنْ أُكْرِهْت حَتَّى يُنْطَلَق بِي إِلَى أَحَد الصَّفَّيْنِ , فَضَرَبَنِي رَجُل بِسَيْفِهِ , أَوْ يَجِيء سَهْم فَيَقْتُلنِي ؟ قَالَ يَبُوء بِإِثْمِهِ وَإِثْمك , وَيَكُون مِنْ أَصْحَاب النَّار ) مَعْنَى ( يَبُوء بِهِ ) يَلْزَمهُ , وَيَرْجِع , وَيَحْتَمِلهُ أَيْ يَبُوء الَّذِي أَكْرَهَك بِإِثْمِهِ فِي إِكْرَاهك , وَفِي دُخُوله فِي الْفِتْنَة , وَبِإِثْمِك فِي قَتْلك غَيْره , وَيَكُون مِنْ أَصْحَاب النَّار , أَيْ مُسْتَحِقًّا لَهَا. وَفِي هَذَا الْحَدِيث رَفْع الْإِثْم عَنْ الْمُكْرَه عَلَى الْحُضُور هُنَاكَ. وَأَمَّا الْقَتْل فَلَا يُبَاح بِالْإِكْرَاهِ بَلْ يَأْثَم الْمُكْرَه عَلَى الْمَأْمُور بِهِ بِالْإِجْمَاعِ. وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي وَغَيْره فِيهِ الْإِجْمَاع قَالَ أَصْحَابنَا : وَكَذَا الْإِكْرَاه عَلَى الزِّنَا , لَا يُرْفَع الْإِثْم فِيهِ. هَذَا إِذَا أُكْرِهَتْ الْمَرْأَة حَتَّى مَكَّنَتْ مِنْ نَفْسهَا. فَأَمَّا إِذَا رُبِطَتْ , وَلَمْ يُمْكِنهَا مُدَافَعَته , فَلَا إِثْم. وَاَللَّه أَعْلَم.