💡 شرح الحديث
قَوْلُهُ : ( عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ ) الْهُذَلِيِّ مَوْلَاهُمْ أَبُو الرُّبَّانِ , وَقِيلَ أَبُو طَلْحَةَ الْمِصْرِيُّ صَدُوقٌ إِلَّا أَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٌ مِنْ صَحِيفَتِهِ مِنْ السَّادِسَةِ ( عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْخُولَانِيِّ ) الْمِصْرِيِّ مَجْهُولٌ مِنْ الرَّابِعَةِ ( أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدِ ) بْنِ نَافِذِ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ الْأَوْسِيِّ , أَوَّلُ مَا شَهِدَ أُحُدًا ثُمَّ نَزَلَ دِمَشْقَ وَوَلِيَ قَضَاءَهَا , مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ قَبْلَهَا. قَوْلُهُ : ( الشُّهَدَاءُ أَرْبَعَةٌ ) أَيْ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ أَوْ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ ( رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الْإِيمَانِ ) أَيْ خَالِصُهُ أَوْ كَامِلُهُ ( لَقِيَ الْعَدُوَّ ) أَيْ مِنْ الْكُفَّارِ ( فَصَدَقَ اللَّهَ ) بِتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ صَدَقَ بِشَجَاعَتِهِ مَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ , أَوْ بِتَشْدِيدِهِ أَيْ صَدَّقَهُ فِيمَا وَعَدَ عَلَى الشَّهَادَةِ ( حَتَّى قُتِلَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ , أَيْ حَتَّى قَاتَلَ إِلَى أَنْ اُسْتُشْهِدَ. قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ وَصَفَ الْمُجَاهِدِينَ الَّذِي قَاتَلُوا لِوَجْهِهِ صَابِرِينَ مُحْتَسِبِينَ , فَتَحَرَّى هَذَا الرَّجُلُ بِفِعْلِهِ وَقَاتَلَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا فَكَأَنَّهُ صَدَقَ اللَّهَ تَعَالَى بِفِعْلِهِ , قَالَ تَعَالَى : { رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ } ( فَذَاكَ ) أَيْ الْمُؤْمِنُ ( الَّذِي يَرْفَعُ النَّاسَ ) أَيْ أَهْلَ الْمَوْقِفِ ( هَكَذَا ) مَصْدَرٌ قَوْلُهُ : ( يَرْفَعُ ) أَيْ رَفْعًا مِثْلُ رَفَعَ رَأْسِي هَكَذَا كَمَا تُشَاهِدُونَ ( وَرَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى وَقَعَتْ ) أَيْ سَقَطَتْ ( قَلَنْسُوَتُهُ ) بِفَتْحَتَيْنِ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ أَيْ طَاقِيَّتُه , وَهَذَا الْقَوْلُ كِنَايَةٌ عَنْ تَنَاهِي رِفْعَةِ مَنْزِلَتِهِ ( فَلَا أَدْرِي ) هَذَا قَوْلُ الرَّاوِي عَنْ فَضَالَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ( حَتَّى وَقَعَتْ ) كَلَامُ فَضَالَةَ أَوْ كَلَامُ عُمَرَ , وَالْمَعْنَى فَلَا أَعْلَمُ ( قَلَنْسُوَةُ عُمَرَ أَرَادَ ) أَيْ فَضَالَةَ ( أَمْ قَلَنْسُوَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ) أَيْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِعَادَتُهُ لِلْفَصْلِ ( وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الْإِيمَانِ ) يَعْنِي لَكِنْ دُونَ الْأَوَّلِ فِي مَرْتَبَةِ الشَّجَاعَةِ ( فَكَأَنَّمَا ضَرَبَ ) أَيْ مُشَبَّهًا بِمَنْ طَعَنَ ( جِلْدَهُ بِشَوْكِ طَلْحٍ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَهُوَ شَجَرٌ عَظِيمٌ مِنْ شَجَرِ الْعِضَاهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ : إِمَّا كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ يَقْشَعِرُّ شَعْرُهُ مِنْ الْفَزَعِ وَالْخَوْفِ , أَوْ عَنْ اِرْتِعَادِ فَرَائِضِهِ وَأَعْضَائِهِ , وَقَوْلُهُ : ( مِنْ الْجُبْنِ ) بَيَانُ التَّشْبِيهِ. قَالَ الْقَارِي : الْأَظْهَرُ أَنَّ ( مِنْ ) تَعْلِيلِيَّةٌ , وَالْجُبْنُ ضِدُّ الشَّجَاعَةِ , وَهُمَا خَصْلَتَانِ جِبِلِّيَّتَانِ مَرْكُوزَتَانِ فِي الْإِنْسَانِ , وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْغَرَائِزَ الطَّبِيعِيَّةَ الْمُسْتَحْسَنَةَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَنِعَمِهِ يَسْتَوْجِبُ الْعَبْدُ بِهَا زِيَادَةَ دَرْحَةٍ ( أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا أَيْ مَثَلًا , وَالتَّرْكِيبُ تَوْصِيفِيٌّ وَجَوَّزَ الْإِضَافَةَ وَالْمَعْنَى لَا يُعْرَفُ رَامِيهِ ( فَقَتَلَهُ ) أَيْ ذَلِكَ السَّهْمُ مَجَازًا ( فَهُوَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ ) وَفِي الْحَدِيثِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ الْقَوِيَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ كَمَا رُوِيَ ( وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ) الْوَاوُ بِمَعْنَى الْبَاءِ أَوْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَخْلُوطٌ بِالْآخَرِ , كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى { وَآخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا } ( حَتَّى قُتِلَ ) أَيْ بِوَصْفِ الشَّجَاعَةِ ( وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ ) أَيْ بِكَثْرَةِ الْمَعَاصِي ( حَتَّى قُتِلَ ) أَيْ بِوَصْفِ الشَّجَاعَةِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ فَصَدَقَ اللَّهَ ( فَذَاكَ فِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ ) فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الشُّهَدَاءَ يَتَفَاضَلُونَ وَلَيْسُوا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ : الْفَرْقُ بَيْنَ الثَّانِي وَالْأَوَّلِ مَعَ أَنَّ كِلَيْهِمَا جَيِّدُ الْإِيمَانِ أَنَّ الْأَوَّلَ صَدَقَ اللَّهَ فِي إِيمَانِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّجَاعَةِ , وَهَذَا بَذَلَ مُهْجَتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَصْدُقْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجُبْنِ , وَالْفَرْقُ بَيْنَ الثَّانِي وَالرَّابِعِ أَنَّ الثَّانِيَ جَيِّدُ الْإِيمَانِ غَيْرُ صَادِقٍ بِفِعْلِهِ , وَالرَّابِعُ عَكْسُهُ , فَعُلِمَ مِنْ وُقُوعِهِ فِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِخْلَاصَ لَا يَعْتَرِيهِ شَيْءٌ , وَأَنَّ مَبْنَى الْأَعْمَالِ عَلَى الْإِخْلَاصِ. قَالَ الْقَارِي : فِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لِلْحَدِيثِ عَلَى الْإِخْلَاصِ مَعَ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي جَمِيعِ مَرَاتِبِ الِاخْتِصَاصِ , بَلْ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَوَّلَيْنِ بِالشَّجَاعَةِ وَضِدِّهَا مَعَ اِتِّفَاقِهِمَا فِي الْإِيمَانِ وَصَلَاحِ الْعَمَلِ , ثُمَّ دُونَهُمَا الْمُخَلِّطُ , ثُمَّ دُونَهُمْ الْمُسْرِفُ مَعَ اِتِّصَافِهِمَا بِالْإِيمَانِ أَيْضًا , وَلَعَلَّ الطِّيبِيَّ أَرَادَ بِالْمُخَلِّطِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ نِيَّةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ , وَبِالْمُسْرِفِ مَنْ نَوَى بِمُجَاهَدَتِهِ الْغَنِيمَةَ أَوْ الرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ اِنْتَهَى. قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ( عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ خَوْلَانَ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ قَبِيلَةٌ بِالْيَمَنِ وَمِنْهَا أَبُو يَزِيدَ الْخَوْلَانِيُّ